الحكومة والمواطنة: التعدد الاجتماعي في اليمن.. الدكتور عبدالله الفقيه

{[['']]}
عبد الله الفقيه

استاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء


يتصف المجتمع اليمني بالتعدد Diversity،   ولا يمكن فهم أهمية، ضرورة،  وعوائق بناء دولة المواطنة المتساوية في الجمهورية اليمنية دون إلقاء الضوء ولو من بعيد وبعمومية على  التعدد الاجتماعي في اليمن.
ويمثل ’التعدد الفئوي’ الذي، بالرغم من عمليات التحديث التي شهدها المجتمع اليمني منذ ثورة 26 سبتمبر 1962 في شمال اليمن و14 اكتوبر في جنوبه، التركة التاريخية التي لم يستطع اليمنيون في الشمال وفي الجنوب، مع فارق في الدرجة، إضعافها بالقدر الكافي وبناء دولة المواطنة على انقاضها.

وهناك التعدد القبلي  الذي ما زال حاضرا بقوة وخصوصا في شمال الشمال، والى حد متوسط في مناطق الوسط، وبعض مناطق الجنوب، وأقل بكثير في بعض مناطق الجنوب الأخرى.  وتنبع أهمية التعدد القبلي  من الدور السياسي والعسكري الذي تلعبه القبيلة  ومن التنافس بين القبيلة والدولة كشكلين من اشكال التنظيم الاجتماعي احدهما قديم يقوم على رابطة الدم والآخر حديث يفترض ان يقوم على رابطة المواطنة.  

ويعتبر التعدد المناطقي  رغم قدمه  الأكثر عرضة للتضاؤل والاضمحلال وخصوصا منذ قيام الوحدة اليمنية في عام 1990  لولا ان قوى سياسية واجتماعية تعمل على اذكائه في اطار سياسة رومانية قديمة تقوم على مبدأ "فرق تسد."

وفي مقابل اشكال التعدد التقليدية التي تقسم المجتمع افقيا الى جماعات ذات حدود جامدة لا يمكن اختراقها وقابلة للاشتعال بسرعة في أي مرحلة، هناك بالطبع التعدد السياسي (الحزبي)  الذي يعتبر شكلا حديثا من اشكال التعدد لإنه عندما يتم تبنيه في اطار  منظومة ديمقراطية واقتصاد حر تبلورت فيه المصالح الطبقية، يعمل على  تقسيم المجتمع  رأسيا وفقا للمصلحة الاقتصادية وليس الإنتماء الفئوي أو القبلي أو المناطقي.  

وفي حين سيتم مناقشة التعدد الحزبي في اليمن  بشكل منفصل في محاضرة لاحقة، فإنه ينبغي الإشارة هنا الى أن التعدد الحزبي  قد يكون مجرد واجهة للانقسامات التقليدية  التي تجد صعوبة في ظل التغييرات التي يشهدها المجتمع في التعبير عن نفسها بوضوح ولذلك تلجأ وكاستراتيجية للتكيف الى التخفي خلف الأشكال الحديثة للتعدد السياسي. 

أولا- البنية الفئوية للمجتمع اليمني.

يختلف التعدد الطبقي عن التعدد الفئوي.  فالتعدد  الطبقي يقسم المجتمع الى طبقات على اساس اقتصادي يتعلق بالثروة  بينما ان التعدد الفئوي يقسم المجتمع  الى فئات  ليس فقط على اساس اقتصادي  ولكن ايضا على اساس اعتقادي وثقافي وراثي. وفي حين ان التعدد الطبقي يسمح بالحراك الاجتماعي الذي ينتقل فيه الفرد من طبقة دنيا الى طبقة عليا بكل سلاسة، فإن التعد الفئوي لا يسمح بذلك بسبب طابعه الوراثي. 
صورة توضيحية فقط

وبالنسبة للمجتمع اليمني التقليدي الذي ما زال يفرض نفسه حتى اليوم فيتصف بالتعدد الفئوي الذي يقوم من جهة على العامل الاقتصادي (امتلاك الأرض تحديدا) وعلى  الميلاد في فئة اجتماعية معينة، من جهة أخرى.

1. بنية الهرم الاجتماعي

أ. السادة:
يحتل السادة ، ويسمون ايضا بالهاشميين وال البيت وفي بعض مناطق اليمن بالأشراف، قمة الهرم الاجتماعي. [1]    وقد حظي السادة، الذين تقدر دراسة اعدها البنك الدولي في عام 2007 حجمهم بـ5% من السكان[2]  المقدر عددهم اليوم بقرابة 25 مليون نسمة، بهذه المكانة في اليمن بسبب ارجاعهم لأصولهم الى اسرة الرسول صلى الله عليه وسلم  وتطويرهم  لمبدأ "حصر الولاية في البطنين" أي جعل احقية الولاية، تولي  رئاسة الجمهورية في عصرنا الحاضر، لأبناء واحفاد الإمامين الحسن والحسين ابناء الإمام علي ابن ابي طالب من زوجته فاطمة الزهراء ابنة  الرسول صلى الله عليه وسلم.  

وقد انيط بالسادة بموجب التقسيم الاجتماعي الفئوي مهمة ممارسة السياسة/الحكم من جهة، والاجتهاد الفقهي من جهة اخرى. [3]   ومكنهم الموقع الاجتماعي الذي يحتلونه والاستئثار بالسلطة وحق تفسير العلم الديني من التحول الى كبار الملاك للأراضي.

ورغم  أن شرط  "البطنين"  لتولي الحكم قد يبدو مقبولا على المستوى الاعتقادي رغم ما يمكن أن يثيره من شك وصراع بين مكونات المجتمع،  الإ أن  اعلان الحوثيين وانصارهم  في 13 فبراير 2012 ما سمي بـ"الوثيقة الفكرية والثقافية للزيدية" بما انطوت عليه من توجهات عنصرية قد شكل صدمة كبيرة للراي العام اليمني. وقد كان ابرز ما جاء في الوثيقة ما يلي:

(1) . "ان الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أخوه ووصيه أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم الأئمة من أولادهما..." وفي هذا النص ليس فقط إنكار لولاية الخلفاء الراشدين ابو بكر وعمر وعثمان ولكن ايضا انكار ورفض للشورى ولحق الأمة في اختيار حكامها  واعتبار الولاية شأنا ربانيا وليس شأنا دنيويا.

(2) "أن نهج الهداية والنجاة والأمان من الضلال هو التمسك بالثقلين" وهما: الأول  "كتاب الله مصدر الهداية والنور"؛ والثاني، "الثقل الأصغر"، ويتمثل في "عترة رسول الله وهداة الأمة وقرناء الكتاب إلى يوم التناد (...) وهم حجج الله في أرضه."وهنا يتم اقران ما هو بشري بما هو سماوي، ولا يخفف من وقع هذا الإقران اعتبارهم لأنفسهم "الثقل الأصغر." وتضفي عبارات مثل "حجج الله في أرضه" ، و "هداة الأمة" و "قرناء الكتاب" قدرا كبيرا من القداسة على ما هو "بشري" لا يمكن  النظر اليه الا على انه خدمة للذات وجناية على الدين وعلى السياسة في ذات الوقت.

(3).  أن موقفهم من السنة النبوية يقوم على اشتراط عرضها على القرآن "وأن تكون في إطار القرآن مرتبطة به لا حاكمة عليه ولا معارضة لنصوصه وأنها مرتبطة بالهداة من آل محمد كأمناء عليها في اعتماد الصحيح من غيره." وهنا يمكن ان يجد الإنسان "بابوية" دخيلة على الإسلام تعطي  فئة اجتماعية سلالية بموجبها لنفسها حق تحديد ما يندرج في اطار السنة النبوية وما لا يندرج.

(4). "أن الله سبحانه اصطفى أهل بيت رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فجعلهم هداة للأمة وورثة للكتاب من بعد رسول الله إلى أن تقوم الساعة وأنه يهيئ في كل عصر من يكون مناراً لعباده وقادراً على القيام بأمر الأمة والنهوض بها في كل مجالاتها." وفي هذا النص زعم بـ"الاصطفاء" الرباني  شبيهة الى حد كبير بمقولة كهنة الكنائس المسيحية خلال العصور الوسطى بان الله خلق الدولة وخلق الحكام وان الحكام يمثلون ظل الله في الأرض  وانهم يُحاسبون ولا يحاسَبون سوى أمام الله سبحانه وتعالى. ضف الى ذلك أن النص ينكر بوضوح المساواة بين البشر والتي جاءت بها ليس فقط الأديان السماوية ولكن ايضا الإعلانات والمعاهدات والاتفاقيات الدولية.

شكل (2-1)
البنية الفئوية للمجتمع اليمني
الطبقات العليا
سادة
قضاة
مشايخ
حاشد
بكيل
الطبقة الوسطى
قبائل
مذحج
...الخ

الطبقات السفلى
مزاينة
جزارون
اخدام


(5). رفض "أصول الفقه" المخالفة للقرآن  أو "بدلاً عن آل محمد" وقبول "ما كان منه موافقاً للقرآن ويستعان به على فهم النصوص الشرعية في إطار آل محمد." ووهنا لا يختلف موقفهم من الاجتهاد الفقهي عن موقفهم من السنة النبوية. فكل اجتهاد يخالف اجتهاد ال محمد يعتبر باطلا.

(6). رفض الاجتهاد الذي يؤدي  "إلى التفرق في الدين" أو "مخالفة نهج الآل الأكرمين أو إلى الإضرار بوحدة المسلمين."  واعتباره "مفسدة في الدين." وربما يكون ما ورد في الجزء الثاني من هذه الجزئية "أم المصائب" بحق لإنه يكفر المسلمين الذين لا يتفقون مع طرح الوثيقة.    


ومع أن الكلام السابق يمكن قبوله اذا كان مجرد اعتقاد خاص بطائفة من الناس ولا يسعون لفرضه على الآخرين، الإ ان الحروب الست التي خاضها الحوثيون مع القوات الحكومية بين عامي 2004 و2010  والتي لا يمكن تفسيرها بعد ظهور الوثيقة اعلاه الا على انها حروب من اجل العودة بالإمامة وفكرها العنصري لحكم اليمن تجعل كل يمني  يشعر بالذعر من هذا الفكر المذهبي السلالي العصبوي الذي يقوم على التمييز بين اليمنيين  والسعي لتوظيف القوة لفرض هذا التمييز.

ضف الى ذلك أن انسلاخ الحوثيين  بمحافظة صعدة وسعيهم للتوسع في المحافظات المجاورة وعلاقاتهم المشبوهة بإيران وكونهم الجماعة الوحيدة التي  تجلس على طاولة الحوار مدعومة بجيش وبسيطرة على الأرض و تعاطف دولي يجعل  مستقبل اليمن والدولة اليمنية على كف عفريت.

كما أن هذا الفكر الذي خرجت به الوثيقة يثير سؤال هام عما اذا كان هناك أي دولة في العالم  وبغض النظر عن طبيعة نظامها السياسي يمكن ان تقبل، اعمالا لمبدأ التسامح، بتدريس مثل هذا الفكر الهادم لفكرة الدولة ذاتها والمعادي لسائر الفئات الاجتماعية  الأخرى.

ويبين الجدول رقم (2-1) نماذج من التمثيل الذي حصلت عليه بعض اسر السادة في مؤتمر الحوار الوطني علما بان بيت الحوثي وحدهم حصلوا على 35 عضوا تم اختيار 23 من السادة الموالين للحوثيين، والباقين من المتشيعين لهم.

جدول رقم (2-1) نماذج للتمثيل الذي حصلت عليه بعض اسر السادة في مؤتمر الحوار الوطني
اسم الأسرة
اسماء الممثلين في مؤتمر الحوار الوطني
بيت السقاف
ابو بكر عبد الرحمن السقاف
نادية عبد العزيز السقاف
فهمي ناصر عبد الله السقاف
فارس علي احمد السقاف
عبد الرحمن عمر السقاف
بهية حسن محمد السقاف
بيت الشامي
اخلاق عبد الرحمن علي الشامي
محمد سعيد ظافر الشامي
يحيى محمد الشامي
زكريا يحيى محمد الشامي
بيت المتوكل
فائزة احمد المتوكل
انطلاق محمد عبد الملك المتوكل
أمل محمد عباس باشا (المتوكل)
فائزة مثنى عبد الله الباشا (المتوكل)
بيت شرف الدين
ابتسام هاشم شرف الدين
لمياء احمد عبد الرحمن شرف الدين
احمد عبد الرحمن حسن شرف الدين
بيت جحاف
حليمة عبد الله ناصر جحاف
ردينة محمد احمد جحاف
عبد السلام محمود جحاف


ب. القضاة.

ويأتي القضاة (وعند البعض الآخر شيوخ القبائل ) وهم تاريخيا حلفاء للسادة، في المرتبة الاجتماعية الثانية على الهرم الاجتماعي. وقد مكنهم الاشتغال بالقضاء وهي مهنة يتوارثها الأبناء عن الآباء والآباء عن الأجداد من أن يصبحوا من كبار ملاك الأراضي في البلاد.   ويشكل القضاة في المجتمع اليمني حتى لو تم جمعهم مع المشايخ في فئة واحدة، فئة صغيرة في المجتمع التقليدي. ورغم التحولات التي شهدتها البلاد ودخول اسر يمنية جديدة مجال القضاء وانصراف الأفراد المنتمين الى فئة القضاة عن المهنة، الإ أن اسر القضاة في المجتمع التقليدي ما زالت تلعب ذات الدور السياسي الهام اليوم.  


جدول رقم (2-2): نماذج للتمثيل الذي حصلت عليه بعض اسر القضاة في مؤتمر الحوار الوطني
اسم الأسرة
اسماء الممثلين في مؤتمر الحوار الوطني
بيت الأرياني
عبد الكريم الإرياني
رمزية عباس الإرياني
بلقيس اللهبي- زوجة عبد الغني الإرياني
بيت النعمان
ياسين سعيد نعمان
انتصار محمد عبده نعمان
خالد عبد الواحد نعمان
محمد قاسم نعمان


ج. القبائل.

يمكن النظر الى القبيلة  على أنها "مجموعة من الناس تجمعهم  رابطة حقيقة أو متصورة بالانحدار من نفس الجد"، ويسكنون معا في ارض محددة تعتبر بمثابة اقليم القبيلة. ويتولى شيخ القبيلة قيادتها وإدارة شئونها وحل المشاكل فيما بين أفرادها بعضهم البعض. كما يتولى حشد القبيلة لدعم احد أبنائها في مواجهة القبائل الأخرى أو اجهزة الدولة. 

وهناك من يذهب إلى أن سلطة الدولة اليمنية تاريخيا لم تكن سوى "سلطة أقوى القبائل."[4]   ولم يكن ممكنا في بيئة ظلت القبيلة تلعب فيها الدور السياسي الأهم، أن تتشكل الدولة الوطنية بمعزل عن القبيلة.  بل ان الدولة ذاتها بدت تاريخيا وما تزال حتى اليوم وخصوصا في الجزء الشمالي من البلاد اقرب ما تكون إلى التحالف القبلي  منها إلى الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.     وتذهب التقديرات إلى ان  هناك اليوم حوالي 160 قبيلة يسكن معظمها المرتفعات الجبلية.[5] 


جدول (2-3): نماذج للتمثيل الذي حصلت عليه بعض البيوت المشيخية من قبائل حاشد وبكيل
اسم البيت
الانتماء
اسماء الممثلين
بيت الأحمر
مشايخ قبائل حاشد
صادق عبد الله الأحمر
حميد عبد الله الأحمر (انسحب لاحقا)
حمير عبد الله الأحمر
بيت الشائف
بيت مشيخي في بكيل
ناجي عبد العزيز  الشائف (انسحب لاحقا)
محمد ناجي عبد العزيز الشائف
بيت دماج
بيت مشيخي في بكيل
ثريا امين قاسم دماج
مطيع احمد قاسم دماج
عبد الكريم قاسم دماج
بيت ابو لحوم
بيت مشيخي في بكيل
محمد علي ابو لحوم
عبود ابو لحوم
بيت ابو راس
بيت مشيخي في بكيل
عبد ناجي ابو راس
فهد حمود ابو راس


ويشكل ابناء القبائل بما يمتلكونه من اراضي زراعية مهما كانت محدودة المساحة الطبقة الوسطى والأوسع  حيث يقدر البنك الدولي حجمها بـ80 في المائة من السكان. [6]   وفي الوقت الذي اتصفت فيه القبائل اليمنية بأنها قبائل مستقرة فيما عدا نسبة صغيرة،  فان حجم الدور السياسي الذي لعبته وتلعبه القبيلة كتنظيم اجتماعي قد اختلف بحسب قوة القبيلة ودرجة تماسكها وتحالفاتها. واختلفت قوة القبيلة وقدرتها على الحفاظ على تماسكها من منطقة جغرافية إلى أخرى وذلك بحسب الظروف الاقتصادية السائدة في المنطقة.

ففي المناطق التي تعاني من ندرة الموارد  واشتداد الصراع القبلي حول تلك الموارد، كما هو الحال في مناطق شمال الشمال، عملت القبائل  على الحفاظ على كيانها وتماسكها في مواجهة القبائل الأخرى. كما عملت بهدف التخفيف من حدة الصراعات وما تخلفه من دمار إلى تشكيل التحالفات الكونفدرالية، واشهرها اليوم، مرتبة حسب درجة التماسك،: حاشد، بكيل، ومذحج. وتتكون كل كونفدرالية من مجموعة من القبائل المستقلة عن بعضها البعض الا في الأمور التي يتم التحالف حولها.

وحد الدور السياسي للقبيلة وثقافتها من سلطة الدولة ومن قدرتها على بسط نفوذها على كامل تراب البلاد والتغلغل في المجتمع. واحتفظت القبائل بحقها في استخدام القوة سواء في مواجهة بعضها البعض أو في مقاومة بسط الدولة لنفوذها وسلطتها على اقليم القبيلة  أو في حقها  بالقيام  بالاختطافات للسياح أو بالتقطعات سواء بهدف الضغط على الدولة للحصول على امتيازات معينة أو بالضغط على بعضها البعض. كما ان القبائل ظلت تقيم علاقات مع الخارج وتتلقى مساعدات من الدول الأخرى دون الحاجة إلى إذن من الدولة. 

وللقبيلة في اليمن عدد من الخصائص تؤثر كل منها اليوم بدرجة أكبر أو اصغر على وضع المواطنة. ولعل أهم تلك الخصائص هي رابطة الدم، العصبية القبلية، العرف، والمسئولية الجماعية.  

بالنسبة لقيام القبيلة على رابطة الدم— الاعتقاد بانحدار أبناء القبيلة من نفس الأب—  فإن ذلك يخلق صراعا بين هويتين وانتماءين. فهناك الولاء للقبيلة،  التي تقوم  في تنظيمها على رابطة الدم من جهة، وهناك الولاء للوطن (أي المجتمع السياسي بشكل عام) والذي يقوم  في تنظيمه بشكل اساسي على القواعد القانونية التي تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع والسلطة، والأخيرة هي ما يطلق عليه هنا المواطنة.

وحيث أن الهوية—الشعور بالانتماء— وبالتالي الولاء مرتبط بما يتحقق للفرد من حماية ومن اشباع للحاجات، فإنه من المتوقع عندما تكون القبيلة قوية في مواجهة الدولة أو في مواجهة القبائل الأخرى كما هو الحال في اليمن أن ترتبط هوية الفرد وبالتالي و لائه  بالقبيلة وليس بالدولة. ويؤدي وضع مثل هذا الى جعل الحقوق التي يحصل عليها الفرد والواجبات التي يؤديها مرتبطة بشكل اساسي بقوة القبيلة التي ينتمي اليها وليس بالترتيبات الدستورية والقانونية.  

وفي حين تعتبر المواطنة، وفقا لمبدأ المساواة،  علاقة قانونية مباشرة بين الفرد والدولة ودون وسطاء، فإن قوة التنظيم القبلي في مواجهة الدولة وقيامه على فكرة الجماعة وليس على فكرة الفرد المواطن تجعل علاقة ابناء القبيلة بالدولة علاقة غير مباشرة وتمر عبر وسطاء هم شيخ أو شيوخ القبيلة المعبرين عن مصالح ابنائها.

فالتنظيم القبلي اذا يخلق مواطنة تدرجية.  فحقوق وواجبات ابناء القبيلة في مواجهة الدولة تختلف عن حقوق وواجبات شيخ القبيلة في مواجهة الدولة. كما ان حقوق وواجبات ابناء قبيلة قوية ومتماسكة تختلف عن حقوق وواجبات ابناء قبيلة ضعيفة. ومن هنا جاءت فكرة انشاء مصلحة شئون القبائل والمرتبات والاعتمادات التي تصرف للمشايخ فقط لكونهم مشايخ وبحسب ثقل قبائلهم. وجاءت كذلك فكرة الامتيازات الأخرى  التي تمنح للمشايخ بحسب قوة قبائلهم من درجات وظيفية وسيارات  ومرافقين ومنح دراسية وغير ذلك.      
ويؤدي التعدد القبلي الى جعل الصراع السياسي داخل المجتمع صراع جماعات وهويات أولية عوضا عن ان يكون صراع افراد أو هويات سياسية حديثة كالأحزاب مثلا.  وتسعى كل قبيلة، في ظل صراع الجماعات،  الى الوصول الى السلطة بطريقة أو اخرى لتعمل بعد ذلك على  السيطرة على الدولة والثروة.
وتساهم العصبية القبلية بشكل كبير وشأنها في ذلك شأن الهويات الأخرى في تفشي المحسوبية والفساد في أجهزة الدولة. كما ان شيوع العصبيات القبلية يؤدي الى اهدار حقوق المواطنين الذين لا ينتمون الى عصبيات قوية.  
ويعمل العرف القبلي على إعادة إنتاج نفس المبادئ والقيم التي يقوم عليها التنظيم القبلي. ويؤدي العرف كثقافة وكقواعد قانونية ملزمة وان كانت غير مكتوبة إلى الحفاظ على اختلالات المواطنة. ولم يغير الانتقال الشكلي إلى الدولة  في الحالة اليمنية من الوضع كثيرا. فالقواعد العرفية التمييزية وجدت طريقها إلى بعض القوانين المكتوبة.  

د. الفئات الأخرى.

وتحتل الفئات الاجتماعية التي لا يمتلك افرادها أي مساحة من الأرض وبالتالي يعملون في تقديم الخدمات للفئات الأخرى مثل  المزاينة (الحلاقين والمجملين)  والجزارين والعاملين في التسلية، ويقدر حجمهم بـ5% من السكان الطبقة الأدنى  في الهرم الاجتماعي. [7]  

ويحتل ما يعرف بـ"الأخدام" (أو المهمشين والأخيرة أفضل أدبيا) ادنى مرتبة بين الفئات  التي  تعمل في الخدمات، وبالتالي ادنى درجة في السلم الاجتماعي، وذلك لانهم يقومون بالأعمال التي تعتبر من وجهة نظر المجتمع ككل بما في ذلك الفئات التي تعمل في الخدمات، محتقرة كتنظيف الحمامات والمجاري وكنس الشوارع في وقتنا الحاضر. ولا يعرف بالتحديد حجم هذه الفئة لكن التقديرات التي تذهب الى انهم يصلون الى 2 مليون او حوالي 8 في المائة من السكان قد لا تكون بعيدة عن الواقع. 

2. التغييرات في البنية الفئوية.
نص الهدف الأول من اهداف ثورة 26 سبتمبر 1962 التي اسقطت النظام الإمامي المرتكز على مبدأ البطنين  على  "التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما واقامة حكم جمهوري عادل وازالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات." واذا ما تم وضع الالتباس الوارد في الصياغة فيما يتعلق بـ"ازالة الفوارق بين الطبقات " جانبا ، فإن الواضح أنه كان هناك شعور عام بين الثوار بوجود خلل في بنية المجتمع اليمني. لكن لا احد كان بإمكانه تحديده ، أو ربما انه لم يكن هناك أي مصلحة لأي طرف في تحديد الخلل الذي يعتري بنية المجتمع بدليل أن الأمور بقت على حالها حتى اليوم.      

وأيا كان الوضع، فإن البناء الفئوي للمجتمع اليمني التقليدي مع حدوث بعض التغييرات الطفيفة  حافظ  على تراتبيته، وعلى  الأدوار الاجتماعية المناطة بكل فئة.  فقد ظلت الفئات المختلفة مثلا تقاوم  التزاوج  بين الفئات، وهو أقوى مؤشر  على درجة التغيير،  وتحصر الزواج (وخصوصا بالنسبة للإناث) على أفراد الفئة الاجتماعية ذاتها.  وما زال الزواج مثلا بين أفراد الفئات الاجتماعية المختلفة الواقعة في قمة الهرم ووسطه محدودا، في حين تكاد تنعدم الزيجات بين الفئات الواقعة في اعلى ووسط الهرم، وتلك الواقعة اسفله.[8]   

والقاعدة السائدة مع وجود بعض التغيير أن السادة  يتزاوجون فيما بينهم وكذلك بالنسبة لأبناء كل قبيلة على حدة. وبينما يمكن للسيد ان يتزوج من قبيلية  على اعتبار أن النسب يرتبط بالأب، فإن المرأة المنتمية الى فئة السادة لا تتمتع بذات الحق. [9]   وما زالت القبائل المتماسكة لا تزوج ابناء القبائل الأخرى الإ في حالات نادرة أو لأغراض التحالف السياسي.   ومع انه لم يتم تنفيذ دراسة في هذا الجانب،  الإ ان زواج الأقارب ربما يصل الى 70 في المائة من اجمالي الزيجات في المجتمع اليمني أو قد يزيد عن ذلك.

3. اثر التقسيم الفئوي  على المواطنة.

بينما تقوم دولة المواطنة على المساواة والمشاركة، فإن النظام الفئوي السائد في المجتمع اليمني يقوم على التمييز حيث تعتقد كل فئة أن الفئات الواقعة أدنى منها على السلم الاجتماعي  أقل قيمة وشأنا اما لأن النسب الذي تنحدر منه أقل عراقة أو قداسة أو لأن العمل الذي تمارسه تلك الفئة يتصف بالقذارة.

وفي حين أن الفئات الواقعة في اعلى الهرم (السادة، القضاة، شيوخ القبائل) لا تمثل سوى أقل من 5 % من سكان اليمن الإ انها تستأثر الى حد كبير بالسلطة والثروة وتتوارثهما فيما بينها ولا تسمح باي قدر من الحراك الاجتماعي الذي يمكن الفئات الاجتماعية الأخرى  من المشاركة الفاعلة في السلطة والثروة دون تمييز.

وليس بغريب نتيجة لما سبق ان تجد دراسة قام بها البنك الدولي  الأشكال التالية من عدم المساواة: عدم المساواة في توزيع الأراضي والموارد المائية، تهميش الشباب والنساء وسكان الريف، تهميش سكان الأحياء الفقيرة في المدن، وانحياز الإنفاق الحكومي للأغنياء على حساب الفقراء. [10]   

ويعتبر التقسيم الفئوي للمجتمع عقبة كأداء أمام بناء الدولة بشكل عام، ودولة المواطنة على نحو خاص. فالترتيب الهرمي للفئات يجعل الفئات اعلى الهرم  تتمسك بمواقعها لما يرتبط بتلك المواقع من امتيازات في مواجهة الفئات الأخرى

ويكفي التأمل في تشكيلة مؤتمر الحوار الوطني  الذي بدأ اعماله في 18 مارس 2013  لإدراك تأثير البنية الفئوية للمجتمع على تشكيلة المؤتمر. فمن بين مهمشي اليمن الذين يقدر عددهم بحوالي اثنين مليون لم يحظى بعضوية المؤتمر وبصعوبة بالغة سوى شخص واحد اسمه نعمان الحذيفي في حين غابت الفئات الاجتماعية الدنيا الأخرى تماما عن المؤتمر.

لقد أدى التركيز التاريخي للسلطة والثروة في الفئات الثلاث الى جعل تاريخ اليمن عبارة عن مراحل من الصراع الفئوي  على السلطة والثروة تارة بين بيوت السادة بعضها البعض، وتارة بين السادة من جهة والقبائل من وجهة ثالثة، وتارة ثالثة بين القبائل مع بعضها البعض.  

وفي حين صعد علي عبد الله صالح الى السلطة من أسرة لا تنتمي الى الفئات الثلاث، فإنه أولى جل اهتمامه للفئات الثلاث على حساب القاعدة الشعبية العريضة التي ينتمي اليها، وكرس بالتالي البنية الفئوية  للمجتمع مع اعطاء شيوخ القبائل أهمية خاصة. وفي حين ارتكز بقاء صالح في السلطة في بداية حكمه على عصبية قبيلة حاشد فقد قادت محاولاته غير الناجحة في استبدال عصبية حاشد بعصبية سنحان، ثم بعصبية الأسرة  أو بخليط من العصبيات الحاشدية، البكيلية، والهاشمية،  قد باءت بالفشل. 

وبينما تقود التغييرات التنموية الى تغييرات اجتماعية عميقة فإن الملاحظ في الحالة اليمنية ان سيطرة فئات معينة على السلطة وانتشار الفساد قد مكنها من العمل كفلتر في مواجهة الفئات الاجتماعية الأخرى، واصبحت الفئات المهيمنة على السلطة هي ذاتها المهيمنة على الأراضي والموارد المائية وهي الفئات التي تملك الاستثمارات الكبيرة والمدرة للربح.      

ويساهم  البناء الفئوي للمجتمع  الى حد كبير في انتشار الفساد والمحسوبية. فعندما يصل شيخ او سيد أو قاضي الى موقع وزاري مثلا  فإنه يميل الى توزيع الوظائف،  والمصالح والمنافع على افراد الفئة أو القبيلة التي ينتمي اليها. كما ان التقسيم الفئوي للمجتمع مسئول الى حد كبير، وليس شكل الدولة كما يعتقد البعض، عن ظاهرة قيام الحكم العصبوي والذي كان نظام علي عبد الله صالح واحدا من أسوأ تجلياته. 

وبينما يمكن لأي مجتمع  حديث ان يتسامح مع التعدد أيا كان  اساسه، فإن التعدد الفئوي القائم على التمييز الوراثي كما في حال المجتمع اليمني لا يمكن التسامح  أو التعايش معه، ولا بد من تفكيكه عن طريق بناء دولة وثقافة المواطنة المتساوية.    وما لم يتم ذلك فان البنية الفئوية للمجتمع ستظل تغذي  الصراعات في المجتمع والتي لا يمكن ان تكون في حالة المجتمع الفئوي سوى صراعات عنيفة وخصوصا عندما تكون الدولة ضعيفة وغير قادرة على تقديم الحماية لمواطنيها..
  
ثانيا- اشكال أخرى من التعدد.

يتبع اليمنيون احدى مذهبين: المذهب الزيدي، وتقدر نسبة متبعيه بين 25-30 في المائة؛ والمذهب السني أو الشافعي وتقدر نسبة المتبعين لتعاليمه بين 70 و75% من السكان.  وهناك اقليات مذهبية أخرى ولكنها صغيرة في حجمها كالمكارمة.  لكن  التعدد المذهبي  في اليمن لم يمثل مشكلة تاريخيا ربما لإن الزيدية وعلى عكس فرق الشيعة الأخرى  تعتبر قريبة جدا من المذهب السني. ورغم أن السلطة تركزت تاريخيا على خطوط مذهبية في ايدي الأئمة الزيود من ال البيت  الإ أن  مبدأ الولاية في البطنين لم يكن يميز ضد الشوافع/السنة فقط ولكن ضد الزيود ايضا من غير ال البيت وأن اختلفت الدرجة. كما ان الشوافع بشكل عام كانوا وربما ما زال قليل منهم حتى الان يميلون الى اضفاء بعض القداسة  على ال البيت لأسباب عقائدية وقبلوا بهم بالتالي كحكام لا ينازعونهم سلطتهم. 

وصحيح ان  السلطة ظلت مركزة بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 في شمال اليمن في ايدي اتباع المذهب الزيدي  الإ أن الأساس المذهبي للسلطة كان قد تم اسقاطه وهو ما خلق حالة انشقاق كبيرة بين اتباع الزيدية حيث انقسموا الى  زيدية هاشمية تؤمن في معظمها بمبدأ البطنين وزيدية قبلية تعارض في معظمها مبدأ الإمامة في البطنين.  ولم تكن حروب صعدة الست التي بدأت في عام 2004 سوى  تعبير عن هذا الانشقاق السياسي في صفوف المذهب الزيدي.    

ويبقى التأكيد هنا بان القول أن التعدد المذهبي في اليمن لم يمثل  تاريخيا عامل صراع  لا يعني انه لا يمكن تحويله الى عامل صراع بدليل حروب صعدة  الست، وبدليل الصراع  السلفي-الحوثي، وبدليل التوتر الذي يشوب علاقة الإصلاحيين بالحوثيين، وبدليل أن رئيس اليمن السابق بعد اخراجه من الحكم حاول وما يزال سواء من خلال التحالف مع الحوثيين أو من خلال وسائله الإعلامية المتعددة، رفع قميص الزيدية.  

والحل في مواجهة التعدد المذهبي ليس في  ان يحاول اتباع احد المذاهب السيطرة على اتباع المذهب الآخر أو منعهم من ممارسة شعائرهم ولكنه يكمن في بناء دولة المواطنة المتساوية التي تمثل الضامن كما يقول الشيخ راشد الغنوشي للحريات الدينية والسياسية في المجتمع.

وربما مثلت ثنائية " سكان الجبال" و"سكان السواحل"، أو "اليمن الأعلى" و"اليمن الأسفل"، ابرز معالم التعدد المناطقي في المجتمع التقليدي وهي ثنائيات تطابق فيها التعدد الجغرافي مع التعدد  المذهبي. وأدى التركيز المناطقي للسلطة على خطوط تطابقت مع التوزيع المذهبي الى اذكاء التوتر المناطقي واكسابه احيانا وبشكل غير صحيح بعدا مذهبيا. 

والواضح اليوم أن التوتر الناتج عن التعدد المناطقي على خطوط اليمن الأعلى واليمن الأسفل أو على اساس الإقليم الزيدي والإقليم السني قد تراجع كثيرا  رغم محاولات بعض القوى المستميتة لإحيائه وخصوصا منذ توحيد شمال اليمن وجنوبه في عام 1990 . وظهر انقسام مناطقي جديد  على خطوط الدولتين السابقتين على قيام الوحدة.

وبينما كان القاسم المشترك بين نساء اليمن في المجتمع التقليدي هو التمييز ضدهن داخل كل فئة، فإن العديد من التطورات الداخلية والخارجية قد دفعت بالنساء الى النضال لنيل حقوقهن وخصوصا مع التحركات التي شهدها اليمن عام 2011 و2012 وما زالت مستمرة حتى اليوم. ويشكل بروز النساء، وان اقتصر الأمر في المرحلة الحالية على نساء فئات اجتماعية بعينها (بنات السيد، بنات القاضي، وبنات الشيخ)،   كفاعل سياسي جديد تحديا خلال المرحلة القادمة لا يمكن التعاطي معه سوى من خلال ضمان حقوق المواطنة المتساوية.  
شارك الموضوع ليراه أصدقائك :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
إتضل بنا | فهرس المدونة | سياسة الخصوصية
جميع الحقوق محفوضة مدونة عالم النونكس
Created by Maskolis Published by Mas Template
powered by Blogger Translated by dz-site