التحليل البلاغي لقصيدة أبي الطيب المتنبي فخر وعتاب (2)

{[['']]}
بعد ان تداولنا في المنشور السابق النص الذي يبين  علاقة الشاعر(المتنبي)  بسيف الدولة الحمداني , وما يحمله له في قلبه من حب ،والذي شرحناه فيه الثلاثة الأبيات الأولى , وفي هذا المنشور سوف نكمل شرح بقية الأبيات .

((عتـاب المحـب)).

4 - يا أعـدَل الناسِ إلا في معاملتي  فِيكَ الخِصَامُ و أَنْتَ الخَصْمُ والحَكَمُ


5 - أُعِيذُها نظراتٍ مِنْكَ صَائِبـةً أنَ  تَحْسَـبَ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ ورَمُ


6 - وما انتفاعُ أخي الدُّنْيا بِنَاظِـرهِ  إذا استـَوتْ عندهُ الأنوارُ والظُّلَمُ ؟
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
تحليل البيت الرابع:

4 - يا أعـدَل الناسِ إلا في معاملتي  فِيكَ الخِصَامُ و أَنْتَ الخَصْمُ والحَكَمُ .

المفــــــــــردات :
- الخصام : النزاع بين المتنبي وخصومه .
- فيك  الخصام : أنت سبب النزاع بيني وبين أعدائي .
- وانت الخصم : أنت خصمي في القضية لانحيازك لأعدائي .
- الحكم: القاضي  الذي سيفصل او سيحكم في الأمر.
*********************************************************************************************************
الشــــــــــــــــــــــــرح :
المتنبي يعاتب سيف الدولة عتاب المحب فيصفه بالعدل مع الجميع إلا معه لأن النزاع والخصام الذي بينهما هو طرف فيه؛ فأصبح سيف الدولة بذلك هو الخصم والحكم، ومن ثم لن يحكم لصالح خصمه المتنبي.
*********************************************************************************************************
بلاغــــــــــــــــــــــة :
-  يا أعدل الناس : نداء غرضه العتاب
- فيك الخصام : أسلوب قصر طريقته تقديم الخبر شبه الجملة على المبتدأ المعرفة للتخصيص
- الخصم و الحكم:  يوجد بين اللفظين طباق يؤكد المعنى.
 _____________________________________________________________
تحليل البيت الخامس:
5 - أُعِيذُها نظراتٍ مِنْكَ صَائِبـةً أنَ  تَحْسَـبَ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ ورَمُ

المفــــــــــــــــــردات:
- أعيذها: أحصنها وأنزهها.
- صائبة: صحيحة وصادقة.
- الشحم: السمنة
- تحسب: تظن،
- ورم: انتفاخ الجسم بسبب المرض.

الشــــــــرح:
وصف المتنبي سيف الدولة بأنه أعدل الناس ، ولكنه لم يعدل مع المتنبي فسيف الدولة خصمه وحكمه ، ونظراته غير صائبة فهو لا يفرق بين من أحبه حباً حقيقياً وهو المتنبي ، وبين مدعي الحب من الآخرين ويناشده بألا ينخدع بالمنافقين فيكون مثله كمثل الذي يرى المنفوخ فيحسبه قوي العضلات.

البلاغـــــــــة:
- (يا أعدل الناس) : أسلوب إنشائي (نداء) غرضه : إظهار العتاب والاستعطاف .
- (فيك الخصام) : أسلوب قصر بتقديم الجار و المجرور يفيد التخصيص .
- (أنت الخصم والحكم) : أسلوب قصر بتعريف المبتدأ والخبر يفيد التخصيص .
(الخصم - الحكم) : محسن بديعي  (طباق)  يوضح المعنى ويبرزه .
- (أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم): تشبيه ضمني - فهم من البيت دون تصريح به فقد شبه من يخطئ في رأيه كمن يرى ورم الإنسان فيحسبه شحما وقوة، سر جماله: توضيح الفكرة، و في الصورة إيحاء بظلم سيف الدولة , كما أن الطباق ( شحم - ورم ) يوضح المعنى بالتضاد ويؤكده.
________________________________________________________
تحليل البيت السادس:
6 - وما انتفاعُ أخي الدُّنْيا بِنَاظِـرهِ  إذا استـَوتْ عندهُ الأنوارُ والظُّلَمُ ؟

المفــــــــــــــــردات:
- أخي الدنيا: المراد الإنسان.
ناظِره : عينه و بصره والجمع نواظر
- استوت : تساوت.
- الظُّلَمً : الظلماتُ ومفردها ظُلمة .

الشـــــــــــــــرح :
يبين الشاعران لا فائدة لعين الإنسان إذا لم تر الفرق بين النور (الحب الصادق) و الظلمة (الحب المزيف). ويقصد بذلك أن سيف الدولة إذا لم يستطع أن يميز بين من يحبه حباً صادقاً ومن يحبه حبا لمصلحة أو نفاق فإن مثله كمثل من لم ينتفع بعينيه فلم يميز بين النور والظلام .

 البلاغـــــــــــــــة :
- (ما انتفاع أخي الدنيا بناظره): أسلوب إنشائي (استفهام) غرضه : النفي .- وهذا البيت للعتاب وليس للهجاء كما يتبادر إلى الذهن.
- (أخي الدنيا): كناية عن الإنسان .
- (إذا):  تدل على التحقيق من أن الأمير صار لا يميز بين الصديق والعدو.
- (الأنوار) :استعارة تصريحية ، حيث شبه الحب الصادق بالأنوار .
- (الظلم) :استعارة تصريحية ، حيث شبه الحب الزائف بالظلم .
- (الأنوار والظلم): طباق يؤكد المعنى.
________________________________________________________
تحليل البيتين السابع والثامن:
7- أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي *** وأسمعت كلمــــــاتي مـن بـه صـمـمُ
8- فالخيل والليل والبـيداء تعرفني *** والسـيف والرمح والقـرطاس والقلمُ

المفــــــــــــــــردات :
- أدبي: الأدب، وهو: الجيد من الشعر والنثر، والجمع: آداب.
- الأعمى:  فَاقِد البَصَر ، كَفِيف , وعند الجمع نقول عُمْي وعُمْيان وعُماة.
الصمَم : عدم السمع ، الوَقْر.
- البيداء :  الصحراء, وجمعا بِيد .
- القرطاس : الورقة أو الصحيفة.

الشـــــــــــرح:
يفخر الشاعر في البيتين  بقدرته الأدبية التي عمت الآفاق، فشعره استطاع الأعمى أن يقرأه  والأصم أن يسمعه   كما يفتخر بشجاعته وفروسيته ومهارته القتالية، فهو فارس تعرفه الخيل يقتحم الصحراء في الليل المظلم ومقاتل بارع في استعمال السيف والرمح , كما أنه الأديب المبدع الذي يجيد التعبير والعزف بالكلمات .

البلاغــــــــــــة:
- (أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي): أسلوب خبري غرضه الفخر والضمير (أنا) أتى ليدل على ذلك ,والتعبير كناية عن قدرته الأدبية وسر جماله الإتيان بالمعنى مصحوباً بالدليل عليه في إيجاز وتجسيم ومبالغة.
- ( وأسمعت كلماتي من به صمم ) كناية عن قوة تأثير شعره حتى أن الأصم سمعه.
- (نظر - الأعمى) ، (أسمعت - صمم) : محسن بديعي/ طباق يؤكد المعنى بالتضاد. .
(كلماتي) : مجاز مرسل عن شعره علاقته الجزئية ، و سر جمال المجاز الدقة و الإيجاز. 
( الخيل والليل ..الخ ) أسلوب خبري للفخر ،و بين الخيل و الليل : جناس ناقص - له أثره الموسيقى في تحريك الذهن ،
والبيت كله كناية عن مقدرة الشاعر الفذة وتجسيد حي لمكانته الشعرية الضخمة التي لا تخفى على أعمى ولا أصم فكيف بالسامعين المبصرين.
- (الخيل - الليل) : محسن بديعي/ جناس ناقص له تأثير موسيقى .
- (السيف - الرمح) ، (القرطاس - القلم) :مراعاة نظير تثير الذهن .
** تذكر** :
مراعاة النظير :هي الجمع بين أمرين أو أمور متناسبة ، كقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (البقرة:16) وقد يكون الجمع في اللفظ وذلك بأن يؤتى بلفظ يناسب معناه أحد الطرفين ولفظه الطرف الآخر ، كقوله تعالى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) (الرحمن : 5 - 6) . فالنجم لفظه يناسب الشمس والقمر ، ومعناه - وهو النبات الذي لا ساق له - يناسب الشجر.
وبين : القرطاس والقلم مراعاة نظير أيضاً وهو ( ذكر الشيء وما يلازمه ) وهذا البيت كما يقول النقاد هو الذي قتل صاحبه .
الخيل والليل والبيداء تعرفني:شبه الخيل والليل بإنسان يعرف على سبيل الاستعارة المكنية.(لمزيد من المعلومات حول مراعاة النظير ).
-  قيمة تعريف الأسماء (الخيل - الليل - البيداء - السيف - الرمح - القرطاس - القلم)  بأل جاءت لإفادة العموم والشمول لكل أنواع هذه الأشياء .
كما ان  استخدم المتنبي ضمير المتكلم كثيراً في التعبير عن فكره ؛ لأنه في مجال الاعتزاز والفخر بنفسه وإظهار مكانته عند سيف الدولة فقد مزج بين المديح والفخر . 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأبيات كبريـاء وحكمـة

9 -    يا مَنْ يعزُّ علينَا أن نُفارِقَهـمْ  *** وجْدانُنا كُلَّ شَــيْءٍ بَعْدَكُمْ عَدَمُ
10 - إذا تَرحَّلْتَ عَنْ قومٍ وقد قدَرُوا  *** ألاَّ تُفَارقهم فالرَّاحــلُونَ هُمُ
11 - شَرُّ البلادِ مكانٌ لا صديق بِـه *** وشَرُّ ما يكْسِبُ الإنسانُ ما يَصِمُ
12 - هذا عتابُك إلا أنّـَه مقـة ***  قَـدْ ضُمِّنَ الدُّرَّ إلا أنه كَلِــمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 تحليل البيت التاسع:
9 -    يا مَنْ يعزُّ علينَا أن نُفارِقَهـمْ  *** وجْدانُنا كُلَّ شَــيْءٍ بَعْدَكُمْ عَدَمُ

المفـــــــــــــــــــــــردات:
- يعز: يصعب ويشق  ويعظم ويشتد ومقابلها: يسهل ويهون.
 وِجْداننا  :إدراكنا ولقاؤنا وامتلاكنا.
- عدم :  فقدان ، والمراد : لا قيمة له.
- نفارق : نغادر ومقابلها نقيم .

الشـــــــــــــــــرح :
يبين الشاعر أنه يعز عليه فراق الأمير لأنه يحب الأمير و لا قيمة لشيء بعدهم وهنا تبدو عاطفة الحب ، حيث يعلن المتنبي أنه يشق عليه فراق سيف الدولة ، ولا قيمة لأي كسب بعد فراق.

بلاغــــــــــــــــــــــة :
( يا من يعز علينا أن نفارقهم ) أسلوب إنشائي نوعه نداء ، غرضه الإستعطاف وإظهار الحب.
( وجداننا كل شيء بعدكم عدم ) تشبيه لوجدان الشاعر وتعبير يدل على مكانة الأمير في قلب الشاعر والمقصود أن كل شيء ممتع فقد بريقه بعد فراق الأمير سيف الدولة .
(وجداننا × عدم) : بينهما طباق .
_______________________________________________________
تحليل البيت العاشر:
10 - إذا تَرحَّلْتَ عَنْ قومٍ وقد قدَرُوا  *** ألاَّ تُفَارقهم فالرَّاحــلُونَ هُمُ

المفـــــــــــردات :
ترحلَّت : سافرت وفارقت ورحلت.
- قدروا : استطاعوا.
- فالراحلون هم : المراد هم الخاسرون لأنهم قصَّروا في حقك فرحلت عنهم.

الشــــــــــــــرح :
وبين أنه لن يخسر شيئاً بهذا الرحيل، لكن الخاسرين هم الذين قصروا في حقه وكان يمكنهم إرضاؤه ومنعه من الرحيل ( وربما يقصد أن خسارتهم تكون في حرمانهم من شعر المدح الذي يخلد ذكرهم على مر السنين ).

البلاغــــــــــــــــــــــة:
- ( إذا ترحلت ) إذا - أداة شرط تفيد التحقيق وتؤكد الخسارة المؤكدة لأصحابه الذين تسببوا في رحيله ، وقد للتوكيد.
- ( ترحلت × ألا تفارقهم ) بينهما طباق يوضع المعنى بالتضاد .
________________________________________________
تحليل البيتين الحادي والثاني عشر.
11 - شَرُّ البلادِ مكانٌ لا صديق بِـه *** وشَرُّ ما يكْسِبُ الإنسانُ ما يَصِمُ
12 - هذا عتابُك إلا أنّـَه مقـة ***  قَـدْ ضُمِّنَ الدُّرَّ إلا أنه كَلِــمُ

المفـــــــــــــــــردات:
شرّ : أسوأ.
- ما يكسب الإنسان : ما يعمله ويناله
- يصِمُ : يعيب و يشين ومضاده يزين ، وماضيه : وصَم.
هذا عِتابُك : هذا عتابي لك 
- مِقة : محبَّة (مصدر الفعل ومِق).
- ضُمِّن : أُودِع فيه ، تضمّن ، احتوى.
- الدرّ : اللؤلؤ م الدرة. 
- كلِمُ : كلمات والمفرد كلمة .

 الشــــــــــــــرح :
يبين المتنبي إن شر البلاد مكان لا يوجد فيه صديق، وأقبح الأعمال ما يجلب لصاحبه المعرة، ويعلن أنه محب لسيف الدولة وهذا الحب هو الدافع للعتاب الذي ضُمِّنَ جواهر الكلام.

البلاغـــــــــــــــــــــة :
( شر البلاد......... الخ) أسلوب خبري غرضه إظهار الضيق والألم، ( مكان ) نكرة تفيد العموم،  وهذا البيت والبيت السابق يجريان مجرى الحكمة.
(ضمن الدر ) الدر استعارة تصريحية حيث شبه كلماته بالدر وحذف المشبه وصرح بالمشبه به - سر جماله التجسيم، وتوحي ببلاغة الشاعر وحبه للأمير.
(يكسب - يصم) : محسن بديعي(طباق) يوضح المعنى ويبرزه .
(الدر) :استعارةتصريحية حيث شبه كلماته القيمة بالدرر وحذف المشبه (كلماته) وذكر المشبه به(الدر) وسر جمالها التجسيم .
التعليق على القصيدة .

أولاً: الغرض الشعري :

الغرض الشعري من القصيدة العتاب والفخر - وهما من الأغراض القديمة ، ومما يميز المتنبي أنه لا ينسى نفسه في عتابه أو مدحه فهو ينتهز الفرصة ليفخر بشجاعته وأدبه .
ثانياً:ملامح شخصية المتنبي.

من ملامح شخصية المتنبي :
1- أنه شاعر عبقري متمكن من وسائل الشعر.
2- واسع الثقافة.

3- فارس طموح.
4- قوى الشخصية معتز بنفسه حريص على كرامته .
5- يمتاز بوفائه لسيف الدولة.
ثالثاً: الخصائص الفنية لشعر المتنبي :

1- قوة الألفاظ وجزالة العبارة.
2- روعة الصور ومزج الأفكار
3- عمق المعاني وترابطها والاعتماد على التحليل والتعليل.
4- الاستعانة بالمحسنات غير المتكلفة.
رابعاً:أثر البيئة في النص:

1- التفاف الشعراء حول سيف الدولة والتنافس بينهم.
2- ظهور الدويلات في العصر العباسي كدولة الحمدانيين في حلب.
3- استخدام الخيل والسيف والرمح في الحرب والقرطاس والقلم في الكتابة.
4- استخدام الدر و اللؤلؤ في الزينة.

في الأخير لكم منا اطيب التحايا.

متنين ان لا تنسونا من صالح دعائكم.
________________________________________________
تنوية:
- شرح الأبيات الثلاثة الأولى مع نبذة تعريفية عن الشاعر في المنشور السابق.
- يمكنكم الاطلاع على التمرينات الخاصة بقصيدة فخر وعتاب من هنا  .
___________________________________________________
شارك الموضوع ليراه أصدقائك :

هناك تعليق واحد:

 
إتضل بنا | فهرس المدونة | سياسة الخصوصية
جميع الحقوق محفوضة مدونة عالم النونكس
Created by Maskolis Published by Mas Template
powered by Blogger Translated by dz-site