شعر السجون في العصر العباسي (بحث).

{[['']]}
تَنَاوَل هذا البحث موضوعات شعر السجون في العصر العباسي، وقد جعل غَرَضَي الشكوى والعتاب أنموذجًا له، وقد هَدَفَ إلى التعرُّف على  بعض هذه الموضوعات، والتعرُّف على الدَّافع الذي من أجله كان الشعراء يُرمون في ظلمات السجون، كما حاوَلَ أن يَقِفَ على التعريف بأهَمِّ الشُّعراء الذين كان السجن مسكنًا لهم في أوقاتٍ كثيرة، وأصبحوا يدفعون بشكواهم وعتابهم لِمَن كان سببًا في سجنهم؛ لِذَا جاء هذا البحث من مبحثين، حوى المبحث الأول: الشَّكوى والشعراء الذين كتبوا فيها داخل السجن، و اختصَّ المبحث الثاني بــ:"العتاب وشعرائه الذين كتبوا فيه"، هذا وقد خرج هذا البحث بنتائج، منها: شعر السجون لم يخرج عن طرق النظم المحددة في القصيدة العربية، ولم يستحدث أساليب جديدة وفهم جديد في رسم العمود الشعري، ومن توصياته تتبع بقية موضوعات شعر السجون في العصر العباسي، وبقيَّة الشعراء الذين أُوْدوا فيه لسببٍ من الأسباب.

المبحث الأول- الشَّكوى:
كان الشِّعر بالنسبة لشعراء السجون يمثل تعزية النفس عن المصاب الذي حلّ بهم ، لذا تناولوا في التعبير عن واقع السجن موضوعات متعددة ، دارت حول تجربة السجن الرهيبة ، وحول واقعهم داخل هذه السجون ، وما تركه في نفوسهم من آثار كانت سلبية في الغالب .

معظم شعر السجون يدور في فلك الشكوى والعتاب ، أو وصف المأساة التي يعانون منها ، والحديث عن الذكريات مع المقارنة بين الماضي والحاضر ، ثم الشوق إلى أرض الوطن والأهل والأحبة ، وتناولول كذلك الاستعطاف والاسترحام ، مذبذبين بين أمل العودة واليأس والهلاك ، ثم ما خرجوا به من هذه التجربة المريرة التي شكلت وجدناتهم وغيرت مجرى حياتهم .


ونأخذ من جملة هذه الموضوعات ما يفسر الحالة النفسية لشعراء السجون ، وما ينم عن صور توضح مدى قساوة التجربة التي عاشوها داخل السجون ، ومدى تحملهم لدرجات متفاوتة من الجراح والآلام ، والشكوى فن من فنون الشعر الوجداني ، ولون من ألوان الشعر المتجدد ، لاتساع نطاقها بين الشعراء ، نتيجة للحياة الاجتماعية التي يعيشها عامة الناس ، والتجربة المريرة التي عاناها الشعراء ، خصوصاً في فترة الحكم العباسي للدولة الإسلامية ، وقد نتج عن ذلك شكوى الشعراء من الزمان وطوله ، أو الدهريات ، وشكوى الأهل والأصدقاء ، وشكوى الغربة وغيرها من المواضيع التي تحمل المأساة والمعاناة في شعر السجون. 


ونلاحظ أنَّ الشكوى قد شغلت حيزاً كبيراً من شعر السجون في العصر العباسي ، وهذا شيء طبيعي ، لأن أغلب هذه الأشعار اتجهت إلى الحكام وذوي النفوذ في الدولة الذين كان لهم السبب المباشر في سجن هؤلاء الشعراء ، وكان الغرض من الشكوى استدرار العطف ونيل العفو والصفح ، لذلك نرى أن الكثير من شعر السجون في هذا الجانب ، |لأنه يمثل طوق النجاة والخلاص، ويعكس المعاناة والتجربة المريرة التي عاشوها داخل السجون ، فكانت جلّ الاشعار تدور حول الشكوى ، وكانت تغلفها أحياناً مسحة من الخضوع والتذلل حتى يكون أبلغ في نفوس السامعين وتصل إلى الغاية المنشودة ، وأحياناً يتوسل الشاعر بشفيع يشفع فيه حتى يصل إلى ما يتمنى .

والجدير بالذكر أنَّ شيوع الشكوى في شعر السجون ما هو إلا تعبير عن نزعات نفسية تعكس واقع السجين، وتبين مدى الحالة المزرية التي وصل إليها، مما جعل الانكسار سمة من سمات الشكوى ، ولم نلاحظ تمرداً ولا خروجاً ظاهراً على صاحب السلطة ، وإذا أخذنا في الاعتبار أنَّ السجن يكسر شوكة المسجون ، ويضعه في موقف الضعف دائماً .

ربما يحس الشاعر السجين أنَّ الدهر قد قلب عليه ظهر المجنّ فأوقعه في مدلهمات السجون ، وقيد يديه ورجليه بثقل القيود التي أكلت اللحم ونخرت العظم ، فنراه قد تحول إحساسه إلى السواد الغاتم تجاه الدهر، فشكى منه وشكا من الأيام البطيئات داخل السجن ، فاتجه يذم هذا الدهر ويلعنه، فيشتكي من هذه المصائب ، ويحمل الدهر وزرها .
     شكى إبراهيم بن المهدي دهره عندما انقلب عليه وأنزله من كرسيّ الخلافة فقال :

             فللَّــه نفسِي إنَّ فيَّ لعبرةً *** وفي الدهر نقضٌ للعــــرى بعد إبــرام
            غدوتُ على الدنيا مليكاً مسلطاً ***ورحتُ وما أحوي بها قبس إبهام
             وهي ليلةٌ في الدهر إلا أرى بها *** تشبث أقــــدام وزلــــــــة أقدام
            كذاك رأيتُ الدَّهرَ يَقْدُم صرفه *** على كلّ نفسٍ بين بؤس وإنعـــــام

 يرى إبراهيم بن المهدي في نفسه خليفة فقد حقه، وجارت الأيام عليه ، ولم تمنحه الفرصة حتى يتربع على كرسي الخلافة ، وقد حانت له هذه الفرصة ، ولكن تتقلب الأيام عليه ، ويفعل الدهر به أفاعيله، فحولته من المنصب الذي حلم به طيلة حياته ، ورماه الدهر بأن جعله متخفياً، وخارجاً عن الدنيا ولم يملك منها قيد إبهام ، وأصبح سجين نفسه ، هارباً من عدالة الخليفة الشرعي المأمون ، ولكن رمته الأيام في يد المأمون ، وعندها بدأ يسترجع شريط الذكريات ، ويندب حظه ويشكو الدهر على ما فعل به  .

الأبيات محملة بالأسى وشكوى الدهر ، وبكاء الماضي ، وقد صارت الشكوى من أهم سمات شعر السجون ، إذ أصبحت الثوب الذي يغلف القول عندهم ، ونراها هنا مدثرة بدثار الحسرة والفجيعة ، ونشتم منها رائحة صدق العواطف ، فهي تحدث عن مكنون نفس خانها الدهر، وسلب حقها ، وملك غيرها ، إذاً هنا يبكي الشاعر مجداً مسلوباً وحقاً مغصوباً ، ولكنا نراه تحدث عن الضعف الذي يعانيه إذ ليس في مقدوره اتعادة هذا الحق .

كما نلاحظ غربة النفس وإن كانت في أرض الوطن ، فهو إذاً يشكو الدهر ، ومن خلاله يشكو الحق المسلوب والغربة والنفس الضائعة .
إذاً إحساس الشاعر السجين بالغربة من سمات شعر السجون أيضاً سواء أكانت هذه الغربة زمانية أو مكانيه ، فهي تصب في قالب معاناة الشاعر السجين ، وليس هنالك فريق بينها وبين ما يعاني من التعذيب داخل السجن .

وعلى اتساع شكوى الدهر في شعر العصر العباسي ، نرى أن أكثر من شكا هذا الدهر هو أبو فراس الحمداني ، فدهرياته مشهورة في رومياته ، فقد كانت صادقة ، على مدى طول التجربة التي مر بها ، على امتداد فترة سجنه في بلاد الروم  .

وأبو فراس في دهرياته لا يذهب مذهب غيره من الشعراء في ذم الدهر ولعنه ، بل نراه صادق الإيمان ، عميق العقيدة ، وإنما يشكو مصائبه في صورة الدهر ، ونراه يشكو وقعة هذا الدهر عليه إلى سيف الدولة ، ويتبرم من حال السجن ، ويناشد سيف الدولة الإسراع في فدائه ، فيقول  :

            أقِلْنِي أقِلْنِي عثرة الدهر أنه                 رماني بسهمٍ صائبِ النَّصل مقصد
            ولو لم تنل نفسي ولاءك لم أكُنْ            لأوردها في نصرة كل مورد
            ولا كنت ألقى الألف زرقاً عيونها           بسبعين فيهم كل أشام أنكد
            يقولون (( وَجْنب)) عادة ما عرفتها       شديد على الإنسان مالم يعود
            فقلتُ أما والله لا قال قائل                   شهِدت له في الحرب الأم مشهد
            ولكن سألقاها فإما منيَّة                     هي الظنُّ أو بنيان عز موطد
            ولم أدر أنَّ الدهر في عدد العدا            وأن المنايا السود يرمين عن يد

إن بطولته وشجاعته تأبيان عليه أن يستسلم ، وأن يقال عنه في يوم إنه جبان ، ففضل الموت على النجاة التي تحمل في طياتها العار ، فالدهر هو الذي رمي به في لجة الخر ، وبذلك قد شارك الأعداء وانضم إليهم ضده .

تحمل الأبيات الفخر ، تسبقه اللهفة والضيق الذي اعترى النفس الحرة الأبية من واقع السجن المزري ، الذي لم تتعود عليه في بداية أمرها ، مع أنها تحمل صدق المشاعر الإنسانية التي يشوبها الحزن عندما تحد من حريتها ، وتحيط بها أخطار السجن ، وقبله كانت تسبح في فضاء واسع لا حدود له ، ثم الذي يزيدها ألماً منظر القيد في الأرجل واليدين ، فهذا أشد ما يجعلها تضيق بالواقع الجديد الذي فرض عليها .

ويخاطب أبو فراس الليل شاكياً حاله وواقعه ، متلافياً في ذلك شكوى الدهر وذمه فيقول  :
                        ياليلُ ما أغفل عما بي                        حبائبي فيك وأحبابي
                        ياليلُ نام الناسُ عن موجع                  ناء على مضجعه نابي
                        هبَّت له رياح شامية                         مَتَتْ إلى القلب بأسباب
                        أدتُ رسالات حبيب بها                      فهمتها من بين أصحابي


الشاعر هنا رومانسي الفكر والتعبير ، حيث ذهب في شكوى الدهر إلى مشاركة الأحزان ، فيناديه ثم يخبره أنه لا يغفل عن آلام النفوس وتظهر أوجاعها فتتزاحم على رأس صاحبها ، ولكنه يشكو كيف هدأ أحبابه وناموا في سكون الليل وتركوه متوجعاً متألماً لا يستطيع الهجوع ،  وبينما هو مستغرق في الفكر مرت عليه نسمة من الشام ، فسرعان ما خفق القلب لها ، لصلتها به ، حملت إليه رسالة أحباب فهمها دون الحضور ، لأنها تخصه، فقد مثلت دور البريد ، ولعلها هدأت من روعه قليلاً وتنفس معها الصعداء .

حملت الأبيات أصدق المشاعر الإنسانية يشكو آلام النفس من سجن وقهر وغربة مما يجعلنا نتعاطف مع الشاعر ونشعر بالحزن على حاله .
ثم يتعمق الشاعر أكثر في شكوى الدهر ، فيتجه إلى النجوم يحدثها ويبثها ما به من الحيرة والقلق فيقول  :  

            ما لِنُجومِ السّماءِ حائرة                أحالها في بروجها مثل حالي
            أبيت حتى الصباح أرقبها               مهتديات في حال ضلال
            أما تراها عليّ عاطفة                   تكاد من رقةٍ تبكي لي ؟

عندما يحار الإنسان يبدو له كل شيء أمامه مثل حاله في الحيرة ، ولحيرة أبي فراس احتارت نجوم السماء، وهذا دليل على تبرمه على الدهر ومن قساوته ، فكأن الحال بينهما واحد، فهو يكثر السهر مراقباً لها تدور في ابراجها ، لعله يجد عندها السلوى والهداية ، فقد شاركته الحزن حتى تصورها تبكي وترق على حاله .

لقد شخصها في صورة فتاة لها قلب تعطف وترق وتبكي مشاركة له أحزانه وحيرته ، وقد أجاد في ذلك من دون تكلف ، وهذا انعكاس لصورة العواطف التي تنتاب الشاعر في مثل هذه المواقف .

قد أجاد الشاعر في شكواه لليل والنجوم ، فهو لم يجد من يفهمه ويعطف عليه ويواسيه في محنته من البشر ، فاتجه إلى الطبيعة لعله يجد عندها الصدر الحنون والسمير فتكون له ملاذاً .

ويقول كذلك يذم الدهر ويشكوه  :
            لقيتُ من الأيام كلّ عجيبة                   وقابلني دهري بوجه قطوب
            ولم ينقص مني تشعب حادث               ولا كرهت نفسي لقاء شعوب
            تَحَمَّلتُ خوفَ العارِ أعظم خطة             وأمّلْتُ نَصْراً كان غير قريب

ما يزال أبو فراس يئن ويتحمل من مصائب الدهر ما خارت به قواه ، وما يزال الدهر مكشراً لم يبتسم له بعد حتى يخرج من الواقع المعيش ، ولعل ما رماه في لجة هذه المخاطر شجاعته ، وما كان يؤمله من النصر الذي كذب أمامه ، وما كان واقع ذلك إلا اتقاء سبة الدهر .

حمل الشاعر هذه الابيات كل كراهية للدهر الذي خانه ، فنراه يحمل الدهر وزر هذا الأسر، فأتت الأبيات من أعماق نفسه المليئة بالكراهية للواقع المزري ، وهي رافضة لذلك ، ولفها بستار من الحزن يوضح الحالة النفسية المرهقة التي يعانيها، فهو يؤنب الدهر ونفسه على ركوب المخاطر .

هذا ما كان من أمر شكوى الدهر، وقد اتجه الشعراء إلى نوع آخر من الشكوى ، فقد تذمروا من واقع السجن وأيامه المظلمات فأخذوا يشكون من آلامه وويلاته ، ومن الظلم الذي حاق بهم ، فيعكسون ذلك الواقع النفسي الرافض للاضطهاد والذل ، وانعكاسه على النفس التي كانت تتمتع بالحرية في فضاء واسع .

ونجد أبا العتاهية الذي امتدت أيامه وهو في سجن الرشيد ، وتزايدت آلامه ، وانكسرت نفسه الأبية أمام ذل السجن وقهر السجان ، فكتب إلى الرشيد يشكو ذل هذا السجن ، يقول  : 

            أنا اليوم لي والحمد لله أشهر               يروح عليّ الهم منكم ويبكرُ
            تذكر أمين الله حقي وحرمتي               وما كنتَ توليني لذلك يذكرُ
            ليالي تدنى منك بالقرب مجلسي            ووجهك من ماء البشاشة يقطرُ
            فمن لي بالعين التي كنت مرة              ألّي بها في سالف الدهر تنظرُ

عادةً أنَّ النفس الرقيقة لا تتحمل الضنك والعذاب ، وأن هذه الأبيات تدل على روح أبي العتاهية الشفافة التي ترفض العذاب وتذكر الخليفة بالأيام الخوالي علها تكون الوسيط إلى الحرية ، ولكن قابلها الخليفة بالبرود ، على الرغم مما تحمله من الدموع والضعف ، فكأنه أراد أن يكسر شوكة الكبرياء في الشاعر ، فقال : (( قولوا له لا بأس عليك )) ، فأتى الرد من الشاعر يعكس واقعاً أشد إيلاماً من الأول ، فقال  :

            أرقتُ وطار عيني النعاس                  ونامَ السامرون ولم يواسوا
            أمين الله أمنك خير أمن                            عليك من التقى فيه لباس
            تساس من السماء بكل بر                   وانت به تسوس كما تساس
            كان الخلق ركب فيه روح                  له جسد وأنت عليه راس
            أمينَ اللهِ إنّ الحبس بأسٌ                     وقد أرسلتُ ليس عليك باس

شكا الشاعر من ذل السجن ، وصور نفسه في غاية الضعف لما يواجهه من العذاب والانكسار ، وضمن في الأبيات الفخر ، حتى يسوق الخليفة إلى تحقيق الهدف من رده و ((ليس عليك بأس )) بأن يكت في إطلاق سراحه ، ويرحم هذه النفس المعذبة .
ولكن نرى أن أبا نواس قد قابل هذا العذاب بكل شجاعة وكبرياء نفس عندما وجه رسالته إلى الفضل بن يحيى يشكو غلظة سجانه ، فقال  :
            أبا العباسِ زِدْ رِجلي قيوداً                  وثنِّ عليّ سوطاً أو عمودا
            ووكل بي وبالأبواب حولي                  من الأقوام شيطاناً مريدا
            وأعفى محاجري عن شخص               قوم ثقيل جده يدعى سعيدا
            فقد ترك الحديد عليّ ريشاً                  وأوقر ثقله قلبي حديدا

الكبرياء واضح من خلال الابيات ، وكذلك تعكس مدى العذاب والهوان الذي ذاقه الشاعر من سجانه المدعو (( سعيد)) ، وهو قول يعكس أيضاً مدى العذاب الذي يتعرض له المساجين في ظل ذلك العهد .
ولكن على عكس أبي نواس في مقابلة القيود وقسوة السجان ، قابل أبو العتاهية هذه القيود بالضعف والخنوع ، والدمع ترقرق في عينيه في قوله  :

            أيَا ويحَ قلبِي مِن نَجـيِّ البلابـلِ             ويا ويحَ ساقِي من قروحِ السَلاسلِ
            ويا ويحَ نفسِي ويحَها ثمَّ ويحَـها           ألمْ تَنجُ يوماً من شابـكِ الحبائـلِ
            ويا ويحَ عيني قد أضرَّ بها  البُكا           فلم يُغنِ    عنها طِبُّ ما في المكاحِلِ
            ذرينِي أُعلِّلْ نفسـيَ اليومَ إِنَّـها              رهينةُ رمسِ في ثَـرى وجنـادِلِ

القلب معني متفوق بالحبيب ، والساق مكبلة جزاء هذا الحب ، فقد وقعت النفس فيما لا تحمد عقباه من شراك الخليفة المهدي ، وقد أوجعها وزاد آلامها حتى لا يغني عنها كل ما في المكاحل من كحل ، وقد ايقن بالهلاك المحتوم ، قد طلب الشاعر مزيداً من الشراب حتى ينسى أو يتناسى ما هو فيه من عذاب .

تحكي الأبيات قصة العذاب ، وعقاب الحب فجاءت ملأى بالأسى والدموع ، وتحكي واقعاً أليماً على الشاعر ، وهو يود لو ينسى هذا على شفاه الكأس .
وتمضي بأبي العتاهية الأيام ، وتوقعه من شرك إلى شرك حتى يتبرم من ظلم الرشيد ويشكو هذا الظلم الذي تضيق به نفسه فيكتب إلى الرشيد قوله  :

             أما والله إنَّ الظلمَ لؤم                وما زال المسيء هو الظلومُ
            إلى دَيّانِ يوم الدّين نَمضي            وعند الله تجتمع الخصومُ
            لأمر ما تصرفت الليالي                وأمر ما توليت النجومُ
            ستعلم في الحساب إذا التقينا          غداً عند الإله من الملومُ

تبرم واضح مما حاق به من الظلم ، ولكن ليس له حول ولا قوة إلى دفع هذا الظلم، وليس أمامه إلا الصبر ، ويشكو هذا الظلم في صوت واضح ، لعله يرقق قلب الخليفة الرشيد ، ويعيده إلى حلمه ، فقد مزج الشكوى بالحسرة ، مما أضفى على الأبيات مسحة من الحزن تجعل القارئ يتعاطف معه ، ويسانده في دعواه أمام الخليفة ، وكذلك تحمل النفس المنكسرة التي عزاها الصبر وحده ، وتوضح حالة اليأس الذي ألم بها ، وتعبر عن صدق العواطف والمشاعر ، والانفعالات التي بداخلها ، وفوق كل ذلك عين الله يقظة لا تنام ، وبذلك رفع القضية إلى محكمة قاضيها جلّ وعلا ، مما كان له الأثر الواضح في إطلاق سراحه وترك سبيله .

وتبرم أبو نواس من واقعه داخل السجن ، ونادى بأنه سجن ظلماً ، ورفع الدعوى إلى الله ، موضحاً أنه سجن في غير ذنب ولا جنية ، فقال  :
            يا ربِّ إنَّ القومَ قد ظلموني                 وبلا اقتراف معطل حبسوني
            وإلى الجحود بما عليه طويتي             رب إليك بكذبهم نسبوني
            ما كان إلا الجري في ميدانهم               في كل خزي والمجانة ديني
            ما كان لو يدرون أوّل مخبَإٍ                 في دار منقصة ومنزل هون

الأبيات تبين أن القانون العباسي يأخذ الناس بالشبهات ، من غير أن تثبت الجنية ، ومع عدم وجود الأدلة الدامغة على زندقة أبي نواس سجن ، ولو تحرى الخليفة في ذلك لما طال أبا نواس وبال سجن الزنادقة ، ولكن ربما لأمور كانت سياسية في الغالب – كما ذكرنا ذلك آنفاً -، ثم إن الاعتراف هنا أتى صريحاً بأنه ماجن وليس زنديقاً ، وحمّل الأبيات ما يعاني من اللوعة والقهر ، ثم تجرع ألم الظلم والسجن زوراً ، فهي إذاً تحكي قصة بريء وراء القضبان، وتنم عن نفس كسيرة لا حول لها ولا قوة في دفع الأذى عنها ، فأتت صادقة العاطفة ، قوية التعبير .

ولكن هل واجه كل هؤلاء مثلما واجه عبدالله بن المعتز من الآلام ؟ كلا ، فقد عاش ومات كئيباً ، كان خليفة على الألسن ، ولم يكن على أرض الواقع ، وعندما تمثلت له الخلافة عاشها يوماً واحداً ثم عصفت به المقادير إلى ظلام السجن ، الذي لقي فيه حتفه على أيدي الخونة المناوئين له ، وقد تذكر حاله وتذكر ما حاق به من الظلم وهو في ظلماء السجن ، فكتب يشكو هذا الظلم ويندب حظه والأيام فقال  :
            من يذود الهمومَ عن مكروب               مستكين لحادثات الخطوب
            حوّلته الدنيا إلى طول حزن                من سرور وطيب عيش خصيب
            فهو في جفوةِ المقاديرِ لا يأخذُ             يوماً من دولة بنصيب
            خادمٌ للمنى قد استعبدته                    بِمطالٍ وخلف وعدٍ كذوب

نستشعر من ذلك أن آلام العظماء كبيرة عندما يحسون من إجحاف الاقدار لهم ، وعندما يكون هذا الظلم من ذوي القربى ، فقد كان وعد الأماني عنده حقيقة ماثلة ، ولكن قلبت ظهر المجن وماطلته بوعد كذوب ، ما نال في دولته التي يحلم إلى أن دخل السجن ولقي حتفه فيه .

تنم الأبيات عن الألم الظاهر وتكسوها الدموع والعويل على الظلم الذي حاق به ، فأتت في عاطفة صادقة بينت الحال والواقع الذي عاشه الشاعر ، وقد حظي باختيار العبارات التي تدل على الأسى وتعكس حجم المأساة التي عاشها ، مع براعة التصوير للنفس المنكسرة ، وهي تعاني ظلام السجن وظلم الخليفة ، وهنا قد مزج الشكوى بالحسرة التي توضح الحالة النفسية التي يمر بها والمحنة القاسية التي يكابدها .

وكذلك ندد علي بن الجهم بظالميه ، فقد أوثقوه وكالوه هموماً على عذاب السجن الذي عاناه ظلماً ، وليس له سوى الشعر ينفث عن همومه فقال  : 
            إنَّ حُسْنَ حظِّي من مال تخونه             صرف الزمان فما عرض بمنحوس
            أو تغفلوني فأيامي تذكركم                  أو تحبسوني فما شعري بمحبوس

إنه رد الكبرياء ، ردّ الرافض للظلم ، فهو يعبر عن النفس الكبيرة التي لا يكسرها السجن وظلمه ، وإن حبس جسده فهل في مقدورهم حبس شعره ؟ : إنه تعالى على النكبة في بدايتها لذلك أتت كلماته قوية تعبر عن مكنونات نفسه الرافضة للظلم ، وإن صادر الخليفة أمواله ، فإنه محافظ على عرضه ، فاختار من الكلمت ما يوحي بالقوة والعنفوان .

 من ذلك يتضح أن معظم الشعراء الذين وقع عليهم ظلم الخلفاء دونما سبب واضح به الرأي العام ، أتت كتاباتهم رافضة لهذا الواقع المزري ، وتنم عن نفسية وقع عليها ظلم القوي ، فاختارت أن تعبر عن هذا الظلم وعن واقعها بما تحويه سطور هذه الرسائل من داخل السجن .

ولكن الحال مخالف عند أبي فراس ، عندما يشكو ظلم السجن وواقع الحال ، والأحبة في معزل عنه ، ويقاسي هو ظلمة الليل وظلام السجن ، وفوق كل ذلك لا أحد يعزي عند المصاب، ولم يتبق له إلا الصبر حيث إنه خبر العزاء ، يقول  :
                        يَعِزُّ على الأحِبَّةِ بالشَّامِ                     حبيبٌ بات ممنوع المنام
                        تبيت همومه والليل داج                    تقلبه على وخز السهام
                        يؤول به الصباحُ إلى صباحٍ                ويسلمه الظلام إلى ظلام
                        وإني للصبور على الرزايا                  ولمن الكلام على الكلام
                        جروح لا يزلن يردن مني                  على جرح قريب العهد دام
                        ولم يبق الرمي وإن تراخت                لياليه على مر السهام
                        وبالله الدفاع وأيُّ سهمٍ                     أحاول دفعه والله رام ؟

توشَّحت الأبيات بوشاح الأسى والحزن ، وكان الشاعر موفقاً في عكس حالته النفسية ، وعكس آلامه ، وكذلك عكس مشاعر الأحبة في الشام إذ هم في معزل عنه ، وصور الوحدة ومقاساة الألم في أروع تصوير ، حيث جعل القارئ يشاركه الحزن والوحدة . واختتم قوله بالحكمة، حيث لا مفّر من حكم الله ، وغالباً ما يلجأ الشعراء المساجين إلى الحكمة تعزية للنفس وتصبيراً لها.
طالت الأيام على أبي فراس ، فحنّ إلى صدر حنون يتكئ عليه حتى ينسى مصابه ، ولكنه لم يجد بداً من أن يشكو حاله بالكلمات ، فوجه هذه الرسالة إلى أمه يشكو فيها عذاب السجن وهوله ، فقال :
            مصابي جليلٌ والعــزاء جميلٌ         وظني بأن الله سوف يزيـل
            جراحٌ تحاماها الأساة مخــافة         وسقمان باد منهما  ودخيـل
            وأسرٌ أُقاسيه وليــل نجومـه           أرى كلّ شيء غيرهن يزول
            تطولُ بِيَ الساعاتُ وهي قصيرة      وفي كُلِّ دهر لا يسرك طول

عظم المصاب ، وغاب المعزى ، ولكن تبقى قدرة الله سبحانه وتعالى على إزالة الألم، وتضافرت الأسقام الظاهر والباطن ومع هذه الآلام تطول الساعات وإن كانت في ساعات السرور قصيرة .

إن الأبيات تفيض بالألم ، وتشي بعمق المعاناة ، فيبدو الشاعر شديد الصدق ، عميق العاطفة ، وسرعان ما قذف بالتجربة المريرة التي يعانيها لينفس عن كبده المقروحة، وما أشبه الليلة بالبارحة ! وما أشبه ليله بليل امرئ القيس ! ، فكلاهما قد طال ليله ، كأن نجومه مربوطة لا تزول ، أو لا تتحرك ، وكلاهما يود لو يخرج من ظلام ليله وظلام نفسه الذي ينوء بحمله ولا يقدر على المسير فيه ويلتمس حقائقه الشاردة ، ولكن هنا تغلب صفة الفارس على صفة الشاعر ، فتحدث في نفسه العظمة وردة الفارس الذي أضنته الأغلال وأثقلته القيود ، فلا يجد طريقاً إلا شكوى هذا الألم واللجوء إلى صدر أمه الحنون، التي عانت من أجل حبيبها ووحيدها ، وكان أملها فيه العوض عن أبيه ، وكذلك كان شعور أبي فراس نحو أمه ، فكان عليه أن يكتب إليها شاكياً ، فاتسمت هذه الشكوى – كما رأينا – بطابع التعلق بالله ، وبالخلوص إليه ، وهي ظاهرة لم يعمد إليها أبو فراس إلا في شكواه لأمه  .
ولكن ليس هناك من شعراء السجون من ذرف الدموع وندب حظه وسعيه وراء المعالي حتى قضى نحبه في سجن خزانة البنود .

ذكر ذلك كله في  قصيدته التي أرسلها معاتباً بعض أصدقائه  :
            لنفسك لم لا عذر قد نفد العذر               بذا حكم المقدور إذ قضي الأمر

فوصف فيها هول السجن وقساوة السجان بقوله :
            فلو كنت فس أسـر الزمان أقالنـي           ولكنني في أســر قوم بهم   كبـر
            فموتي أشهى من حياتـي هكــذا             عليّ من الأرصاد قوم بهم   كفـر
            إذا جنني ليل وهاجـت  بلابلــي              وعاودني همي تجـدد لي   فكـر
            عليل وما دائي سوى الضيم منهـم          فهل من خلاص إذ مدى الغاية القبر
            لو أبصرت عيناك ما بي من الأسى         بكيت بما ينضي به الأبـل السـفر

تزاحمت كل صور المأساة والألم في الأبيات وهي تحكي مدى الحالة التي وصل إليها الشاعر من العذاب ، كما تنم عن اليأس من الحياة ، فحببت الموت على البقاء ، وحشد الشاعر كل طاقته في رسالته هذه ، وصور كل ما لاقاه داخل السجن ، حتى يستدر عطف صديقه في سبيل خلاصه من هذه المأساة .

تجاوز التهامي المدى المحدود للخوف من المصير المحتوم في رسالته التي وجهها إلى نقيب الطالبيين بمصر، واصفاً هول المعاناة  :
مستوطناً دار البنود  وقلبـه                 للرعب يخفق مثل خفق بنودهـا
دار تحط بها المنون شباكها                 وتروح والمهجات جل صيودها
قيد وسلسلة وأدهم مصمـت                 محن الكرام عظيمة كقصودهـا

قد حطت رجلاه على دار الموت ، فيئس من الخروج ، واعتراه لذلك القلق الدائم والخوف من المجهول معلوماً لديه ، ولكنه حاول استثمار العلاقات مع ذوي النفوذ علها تجد له مخرجاً ، فشكى ما يعانيه من إرهاق القيود وذرف الدموع حتى يستدر العطف ، ويلفت النظر إلى حاله ، ونلاحظ في المدى البعيد للأبيات اعترافه بما أنكره سابقاً ، وهو طلب السلطة ، ولكن الأمل يحدوه ، وتتطلع إليه نفسه ويؤمل دائماً في الخروج .

المبحث الثاني- العتاب :

بما أنَّ الشكوى والعتاب متلازمان في شعر السجون ، فقد برع الشعراء في عتابهم وباحوا بذلك في صورة شفافة تعكس صدق المشاعر ، ومكانة ذوي السلطة عندهم ، وقد أجاد الشعراء في العتاب والملاينة بالقول ، ولكنا نراه أحياناً يختلط بالاعتذار وتمازجه مسحة من التذلل والخنوع ، وقصد الشعراء من ذلك أن يكون القول مؤثراً في نفوس سامعيه .

أحياناً يتصل العتاب عند شعراء السجون بالتحدي والثورة وفي غالبها ثورة يحد منها التهيب من الخليفة ، أو الأمير ، والتزم الشاعر بتوجيه القول من منحى لا يخفى ما في نفسه ، ولا يسخط بقوله الخليفة ، إنما يأتي بالقول اللين السهل ، وينفذ أوامر الخليفة ، ويدافع عن نفسه حتى يتقي سخطه ، لذلك أتى العتاب في أغلبه ليناً بعيداً عن الخشونة .
والعتاب في شعر السجون كثيراً جداً ، وحسبنا شاهداً على ذلك بعض النماذج .

عاتب علي بن الجهم الخليفة المتوكل عتاباً لا يخلو من المخاشنة واللوم ، إذ إن الخليفة قد خالف قواعد الشريعة ، فأستمع إلى خصم ولم يستمع للآخر ، وهو أولى الناس بأخذ أحكام الشريعة مما جعل الخليفة يحيد عن الطريق السوي ، فقال  :
            أمِـنَ السويـَّة يا بن عم محمد               خصم تقربه وآخر تبعد ؟
            إن الذين سعـوا إليك  ببـاطل         اعداء نعمتك التي لا  تجحـد
            شهدوا غبناً عنهم  فتحـكمـوا          فينا وليس كغائب من  يشهـد
            لو يجمع الخصمين عندك مشهد           يوماً لبان لك الطريق الأقصد

إنها رسالة توضح أنه سجن ظلماً ، وحكم عليه بشهادة الزور ولم يسمع الخليفة حجته ، فجاءت الأبيات أشبه ما تكون في طلب الشفقة والرحمة من الخليفة بأن يعيد النظر في الحكم الذي أصدر ضد الشاعر ، جاءت الأبيات بقول الحق والتزمت القانون ، كأنه يريد أن ينبه الخليفة لذلك ، ولكن وقعت النكبة ، وامتدت أيام السجن ، فكانت نفسه تلومه على كبريائه وتطاوله على الخليفة ، وكان الخليفة أراد من سجنه أن يكسر هذه الكبرياء ، ونراه يشكل ثنائية مع نفسه التي صارت تعنفه في عتاب أقرب إلى الخشونة منه إلى الملاينة ، فقال  :
            أقلِّي فإنَّ اللوم أشكـل  واضحـة                        وكم من نصيح لا تَمَلُّ نصائحه
            علاما قعدت القرفصى  تعذليننـي                       كأني جان كل ذنب  وجارحـه
            أضاقت على الأرض أم لست واثقاً                     بحزم تفاديه القنا  وتراوحــه
            متى هان حر لم يرق ماء وجهـه                       ولم تخبر يوماً برد صفائحــه
            سأصبر حتى يعلم الصبرُ أننــي                         أخوه الذي تطوى عليه جوانحه

إنها صرخة مدوية في وادي السجن الرهيب ، أتت من نفس أضناها الظلم ، والتشفي من الخليفة المتوكل ، فوجهت له هذه الرسالة كي تعلمه بأنها على الصبر باقية ، وللأوجاع والظلم متحملة ، ومهما تفعل أيام السجن بها فإ|نها لا تذل ولا تهان .

أتت الأبيات تحمل كبرياء الحر ، الذي يفضل الموت على المذلة والهوان وكذلك تعكس نفس الشاعر الأبية الحرة التي ترفض شتى صنوف الظلم والاستعباد ، مما أكسبها سمة الصدق ، حيث إنه اختار الألفاظ المعبرة عن القوة والصمود .

ولكن سرعان ما هبط طائر الكبرياء على الأرض عندما تطاولت المدة ، وعندما أشاح الخليفة بوجهه إلى جهة أخرى فأتى عتاب الشاعر ليناً يحمل صفة الانكسار فقال :
            عفـا الله عنك إلا  حرمة                     تعوذ بعفــوك أن  أبعدا
            لئن جل ذنبي ولم اعتمده                    فأنت أجــل وأعلـى  يد
            ألم تر عبداً عدا طـوره                      ومولى عفا ورشيداً هدى ؟
            ومفسـد أمـر تلافيتـه                        فعاد فأصـلح  ما  أفسـدا
            أقلني أقالك من لم يـزل                      يقيل ويصرف  عنك الردى

وعندما تطاولت به الأيام المظلمات في السجن ، يفتقد ابن الجهم المعزى والمواسى على المصاب ، فيتذكر الأخوان في الزمان الماضي والآن ، ولكنه يرى أنهم إخوة في المسرات فقط ، وقل أن تجدهم في المصائب ، فقال يعاتبهم في ذلك  :
            ولا يغررك من  غدا إخـاء                  لأمر ما غدا حسن الإخــاء
            ألم تر مظهرين على غشـا                  وهم بالأمس إخوان الصفاء ؟
            بليت بنكبـة فقدوا وراحـوا                  عليّ أشـد أسـباب البـلاء
            أبت أخطارهم أن ينصروني                 بمـال أو بجـاه أو بــراء
            وخافوا أنْ يقال لهم  خُذلتـم                 صديـقاً فادّعـوا قدم الجفاء
إنه عتاب من يعتصره الألم ، نابع من دواخل مليئة بالحزن ، فأتت كلماته تعبر عن الأسى في صدق تام ، وما أكثر الأصدقاء ولكن في النائبات قليل !

وتتمثل نفس الدور عند أبي الحسن التهامي ، ولكن موقفه مخالف لسابقه ، فقد طوف في البلاد يبتغى العلا والسيادة ، ولكن خانته أمانيه فقبع في سجون مصر إلى أن لقي حتفه ، فقال في ذلك يعاتب نفسه المتطلعة إلى المعالي  :
            لنفسك لم لا عذر فقد نفد العـذر             بذا حكم المقدور إذ قضــى الأمر
            لقد لفظتنـي كل أرض  وبلـدة               وما لفظتني عن مواطنــه مصر
            لعمري لقد طوفت في طلب العلا            وحالفنـي بـر وحالفنـي بحـر
            وشرقت حتى لم  أجد لي مشرقاً            وغربت حتى قليل هذا هو الخضر
            أروم جسيمـات الأمـور وإنما               قصاراي أن أبقى إذا بقي الدهـر
            ولو كنت أرضى بالقليل  وجدته            ولكن في نفسي أموراً لها  أمـر
            ظللت بمصر في السجون مخلداً            وإني لسيف جفنه فوقـه  ستـر
أتت الأبيات معبرة عن الحزن الداخلي المكتوم ، فعاتب صاحبها بعنف وتعنيف شديدين ، إذ كان في إمكانه الرضا بالقليل ، ولكن نفسه دائماً متطلعة إلى جسيمات الأمور فأوقعته في الهلاك .

ويقول معاتباً فيها معاتباً أصدقاءه  :
            فقدتُ أخِلَّائي الذين  عهدتُهـم               وجانبني من كـان عنـده  وفر
            وأعظم ما بي يا محمدُ   أننـا  بأرض وفيما بيننا البعدُ والهجـر
            وما لي من ذنب إليك اجترمته             فقل لي مع الإخوان غيرك الدهر
            تأمَّـل أبـا عبدالله مقالتــي                    فإن الصديق الحـر يعتبه الحـر
            أتذكرُ إذ كنا لدى الدهر رُتَّعًـا               بمصر وأرض الشام إذ عيشنا نضر
            فمالك جفوتني مع الدَّهر إذ عَنَا             أكل زمـان عيشـه هكـذا مــر

فقد كل الإخوان مع هذه النكبة ، فقد تغيروا له مع الدهر وكروا عليه فأصبح في جفوة الأيام والأصدقاء معاً ، وكأني به يتألم ويعتصره الألم إذ فقد المعين والمواسي  :
            فلا سائل عني فأعـذر صاحبـاً              ولا لك في ترك السؤال بنا عـذر
            فإن أحرم الإخوان والزور  منهم           فإني في البأساء من شيمتي الصبر
            عتبتك عتب الذاكر الود إذ غـدا            أسيراً ومحبوساً وقد ناله  الضـر

لم يوجه هذه الرسالة إلا عندما اعتصره الألم ، وفقد من عز عليه ، وقد خاب ظنه فيهم ، إذ فقد حتى السؤال منهم ، لذلك نراها تفيض بالألم والحسرة وتحكي قصة العذاب الداخلي المشحون بالألم ، فقد أتت في غاية البراعة حيث صور المأساة في أوج تراكمها عليه ، وقد ناءت نفسه بحملها ، لذلك أرسل هذه الرسالة حتى تنفس عنه نفسه كربها ويعزيها في فقد الإخوان .

وخير مثال للعتاب ما اشتملت عليه روميات أبي فراس ، فهي تقدم أسيراً له مستواه النفسي الرفيع ، فقد نشأ تنشئة قيادية ، وورث العزة الذاتية ، وقد اتجه عتابه إلى ابن عمه سيف الدولة ، وولي نعمته ، حينما علم أنه لا يفديه إلا ومعه عامة الأسرى ، من بني حمدان ، فبدأ قصيدته بأبيات جمعت بين الغزل والحكمة والفخر ، فقال  :
            أمـا لجميل عندكـن ثواب                   ولا لمسيء عندكـن متاب ؟
ويقول معاتباً سيف الدولة :
            أمن بعد بذل النفس فيما  تريده       أثاب بمر العتب حين أثـاب ؟
            فليتك تحلو والحياة مريــرة            وليتك ترضى والأنام  غضاب
            وليت الذي بيني وبينك عامـر         وبيني وبين العالمين  خـراب

فهو رجل الإسر وذل السجن ، ولكنه لا يزال مشغول البال بمكائد قومه ضده ، منهم من يريد له أن يخلد في السجن ، وينصرف سيف الدولة عنه ، ولكنه على استعداد بأن يخسر كل العالمين ، في رضاء سيف الدولة ، فهو هنا يتكلم كلام الطليق وليس السجين الضعيف ، ونره يسمو بهذه المودة إلى أبعد مدى في الحب ، ومن أجل ذلك فهو مستعد للتضحية في سبيله بكل الناس . فقد أتت هذه الأبيات قوية معبرة عن صدق العاطفة ، وكذلك تعكس قوة الشاعر وتحديه كل المكائد ، وتحمله الصبر من أجل ابن عمه ، وهو هنا غير مكلف ، وإنما يبث ما تمر به النفس ا|لإنسانية من صور وأطياف تحمل القوة والضعف معاً ، فيتجه معاتباً قومه على فعالهم وسعيهم بالوشاية ضده ، ويسمو فوقهم إلى أبعد آفاق الرجولة حين يقول  :
            تمر الليالـي ليـس للنفع  موضع                      لـدي ولا للمعتفيــن جنـاب
            ولا شد لي سرج على ظهر سابح                    ولا ضربت لـي بالعـراء قباب
            ولا برقت لي في الفضاء قواطـع                     ولا لمعت لي في الحروب حراب
            ستذكر أيامـي نميـر وعامــر                         وكعـب علـى علاتها وكـلاب
            أنا الجار لا زادي بطيء عليهـم                      ولا دون مالي في الحوادث  باب

عاتب هنا عتاب الرجال الأقوياء والفرسان الشجعات ، إذ بذل كل ما في وسعه لحمايتهم ولصناعة مجدهم وعزتهم ، ولكن حينما وقع الثور كثرت عليه المُديّ ، فعاتبه هنا أقرب إلى المخاشنة ، على عكس ما يعاتب به سيف الدولة من اللين ، فهو على استعداد لخسرانهم ، وليس على استعداد لخسران سيف الدولة والده الروحي ، فهو أحوج ما يكون إليه في ظل ظروفه هذه ، وقد بين هنا حرمانه من الفروسية ، والكر والفر وامتشاق الحسام وفعل المكرمات .

وتشتد العلة على الشاعر الأسير ويخشى أن يلقى منيته في سجنه غريباً عن الأهل والوطن ، فيكتب إلى سيف الدولة معاتباً مستعطفاً ، ويرق في عتابه ويسمو به حتى يظن إنه يرقي نفسه رثاء مقنعاً ، ويناجي سيف الدولة في غير تعب من التكرير أو الملل من الإعادة ، وهو دائماً – مهما كثرت عليه قصائده في هذا الفن – لا تفتر عاطفته ، أو تقل شاعريته ، كأنه ينهل من نبع لا ينضب ، مما يدل على نفسيته الشاعرة قبل أن تكون نفسية أمير ، يقول  :
                        هل تعطفان على العليل          لا بالآسيـر ولا القتيل ؟
                        باتـت تقلبه  الأكفـف             سحابة الليـل  الطـويل
                        يرعى النجوم السائرات         من الطلوع إلى  الأفـول
                        فقـد الضيوف مكـانه             وبكـاه أبنـاء  السـبيل
                        استوحشــت لفراقـه             يوم الوغى سرب الخيول
وفيها يعاتب بقوله  :           
                        يـا عدّتي في النائبـات            وظلتـي عنـد المقيل
                        أيـن المحبـةُ والذمـام             وما وعدت من الجميل
                        أجمل على النفس الكريمة       في والقلوب  الحمـول
                        أمّا المحبُ فليس يصـفى        في هـواه إلـى عذول
                        يـمضي بحـال وفائـه             ويصـد عن قال  وقيل

ولم يكن عتاب أبي فراس لسيف الدولة وحده ، وإنما كان كتابه لأهله جميعاً ، أولئك الذين أهملوا أمره ، ونسوا فضله فلم يحركوا ساكناً لدى سيف الدولة حتى يصنع شيئاً من أجله ، بل ذهب بعضهم إلى أكثر من ذلك حيث كرهوا خلاصه من سجنه وأسره ، فعز هليه الأمر ، وهاجت كوامن نفسه ، وتحركت عاطفة العتاب عنده ، ولكنه في هذه المرة يعاتب عتاباً أقرب ألى الفخر ، وأميل إلى العزة والشعور بالقوة فقال  :
            تمـنيتم  أن تفقدونـي وإنــما                تـمنيتم أن تفقـدوا العـز  أصيدا
            أمـا أنا أعلى من تعدون  همـه             وإن كنت أدنى من تعدون مولدا ؟
            إلى الله أشكو عصبة من عشيرتي         يسيئون لي في القول غيباً ومشهدا
            وإن حاربوا كنت المجن أمامهـم           وإن ضـاربوا كنت المهند  واليدا
            وإن نـاب خَطْبٍ أو ألَمّت  ملمة            جعلت لهم نفسي وما ملكـت  فدا
            يودون أن لا يبصروني سفاهـة            ولو غيبت عن أمر تركتهم  سدى

التجلد في القصيدة واضح ، فهو يعاتب عتاب الرجل الحر الذي لا تضعضعه النكبات ، وإنما يحاول الشاعر دائماً ؟ أن يذكر قومه بمكانته ، وأنه ليس هنالك من يملأ هذه الفراغ الذي تركه ، لذلك نراه في عتابه يفخر بهذه المكانة ، ويشحذ همم هؤلاء القوم حتى يسرعوا في فدائه ، وحتى يعود إلى مكانته في وسطهم إذ عزه بعزهم وقوته بقوتهم ، فأتت هذه الأبيات صادقة معبرة قوية في مبناها ، تحمل في داخلها نفسية محطمة تعاني من ظلم ذوي القربى ، فتوجع الشاعر وأرسل الزفرات الحرى التي نلمحها من خلال النص.
ولكن هذه الغصة لم تزل عن حلقه ، وإنما بقيت ما بقى الأسر والسجن والعذاب ، وإن نساه قومه فإنه ما يزال دائم التذكار لهم متواصلاً في عتابهم ، معتداً بمكانته فيهم :
            سيذكرني قومي إذا جـد جدهـم         وفي الليلة الظلمـاء يفتقد البـدر
            ولو سُدَّ غيري ما سددت اكتفوا به     وما كان يغلو التبر لو نفق الصفر

هل بإمكان رجل عادي أن يسد مكان من ينظم مثل هذا القول ؟ لا أظن ذلك لأنه ارتفع في مستوى لا يدانيه أحد ، فقد حلق في دنيا الفروسية والرجولة الكاملة ما لايمكن أن يصله أحد ، وهل في وجود الذهب ينفع الصفر ؟ وهل يجدي ؟ فهو قول في غاية الروعة ، ويحمل من البيان أسمى المعاني ، لذلك ترانا عاجوين أن نصف ذلك بكلمات ، وإنما تحدثنا أنفسنا بكل معنى جميل .

ولكن أغلب ما كتب أبو فراس من عتاب ، كان ينم عن تأخر سيف الدولة في مفاداته ، وأنه يعتب عليه هذا التأخير ، ولكنه على الرغم من ذلك يخاطبه بلين ولطف ، ويذكر سيف الدولة بفضائله ومحامده وسجاياه  :
            لا تقعدن عني – وقد سيم فديتي           فلسـت عـن الفعل الكريـم  بمقعد
            فكـم لك مـن أيـاد  وأنعـم                    رفعت بها قدري وأكثرت  حسـدي
            تشبث بها أكـرومة قبل فوتها               وقم في خلاصي صادق العزم واقعد
وعنما تطاولت أيام السجن وطالت لياليه ، ذهبت أمه بحسرتها على وحيدها إلى سيف الدولة ابن عمه لتحدثه في الإسراع بفداء وحيدها فردها سيف الدولة دون مطلبها ، فعادت تحمل الحسرة وخيبة الأمل ، فعندما علم أبو فراس بهذا أرسل عتاباً لسيف الدولة وقال في قصيدته التي مطلعها  :
                        ياحسرة ما أكاد أحملها                       آخرها مزعج وأوله
وهي من شعر العتاب الرقيق الذي لا يذهب المودة ، وإنما يحركها إلى ما يجب أن تكون عليه ، فقليل العتاب يؤكد المودة ، ويحرك النفس ، ويعيد الود المفقود ، وكثيره يوغر الصدر ، ويميت العاطفة عند المعاتب .
يقول معاتباً سيف الدولة :
                        بـأي عذر رددت والهـة                     عليك دون العدى معولها ؟
                        جاءتك تمتاح رد واحـدها                   ينتظر الناس كيف  تقفلهـا
                        سمحت مني بمهجة كرمت                  أتت على يـأسها مؤمـلها
                        إن كنت لم تبذل الفداء  لها                  فلم أزل في رضـاك أبذلها
                        تلك المودات كيف  تهملها؟                 تلك المواعيد كيف تغفلها ؟
                        أرحامنا منـك لـم تقطعها                    ولم تـزل دائباً تواصلها ؟
                        أين المعالي التي عرفت بها                تقولهـا دائمـاً وتفعـلها ؟
يتساءل الشاعر بأي عزر رد سيف الدولة أمه حين جاءت إليه تطلب فداءه ، وكانت على علم من ذلك بأنه سوف ترد ، فبين الشاعر يأسها ويأسه ، ولكنه لم يفقد الأمل في سيف الدولة بعد ، فإن كان لا يبذل الفداء له ، فإن الفداء منه مبذول في رضاء سيف الدولة .
ولكنه لا يلبث أن يعود إلى الصراخ في عتابه بعد أن كان ليناً لطيفاً ، حينما يتذكر حال سيف الدولة الناعمة والحياة الرغدة ، وحاله الخشنة ، وحياته التعسة وقلقه الدائم ، فيقول وهو في موقف الحائر  :
            يا واسع الدار كيف توسعـها                ونحن في صخرة نزلزله ؟
            يا ناعـم الثوب كـيف تبدله                  ثيابنا الصوف ما  نبدلها ؟
            يا راكب الخيل لو بصرت بنا                نحمـل اقيـادنا وننقلـها
            رأيت الضـر أوجها  كرمت                  فارق فيك الجمال  أجملها
            قد أثرت الدهر في محاسنـها                تعرفها تـارة  وتجهلـها
عقد مقارنة بين حياته في السجن وبين حياة سيف الدولة في داره الواسعة ، وبين ثوب سيف الدولة الناعم المصنوع من الحرير ، والذي يبدله من وقت لآخر ، وبين ثوب الصوف الذي لا يبدله في سجنه ، وبين سيف الدولة الذي يركب الخيول ، وبين القيود التي يركبها وينقلها من مكان لآخر في رجليه ويديه متسائلاً لو رآه في صورته هذه لرأى من الضر الذي ألم به ما يكاد يجهله ، حيث غير كل ملامح الجمال التي فيه :
   ثم يقول  :
            فـلا تكلنا فيهـا إلـى أحـد                     معلـها محـسن يعلــلـها
            لا يفتح الناس بـاب   مكرمة                صاحبـها المستغـاث  يقفلها
            أينبري دونـك الكـرام لـها                    وأنت قمقــامها وأحمـلها ؟
            وأنـت إن حـادث  جلــل                      قلبهـا المرتجـى وحولــها
            منك تردى بالفضل  أفضلـها                 منـك أفـاد النـوال أنوالـها
            فإن سألنا  سواك  عارفــة                   فبعد قطــع الرجاء   نسألها
            إذا رأينا أولى الكـرام  بهـا                   يضيعـهـا جاهـداً  ويمهلها
            لم يبقَ في الناس أمة عـرفت                إلا وفضل ((الأمير))   يشملها
            نحن أحـقُّ الـورى بـرأفته                   فأين عـنا ؟ وأين معدلـها ؟
            يـا منفقَ المالِ لا يـريد بـه                   إلا المـعالي التـي   يـؤثلها
            أصبحت تشري مكارماً فضلاً                فداؤنا قـد علمـت  أفضلـها
            لا يقبل الله مثل فرضــك ذا                  نـافـلـة عـنده  تنفلــها

يطلب من سيف الدولة ألا يكله إلى أحد غيره ، فالناس لا يملكون شيئاً دونه ، ويستنكر أن يتعرض الناس لموضوع فدائه ، وسيف الدولة الرجل القادر على هذا الأمر ، بل على كل الأمور التي تحدث لبني حمدان ، فهو لا يسد بابه على مستغيث ، وهو أحق الناس بفدائه ، ولو أراد البعد عنه لما استطاع ذلك ، ثم يذكر محامد سيف الدولة بأنه ينفق المال في طلب المعالي ، ويعتبر أن هذا الإنفاق كان يمكن أن يكون في فدائه ، ثم ينهى الرسالة بلمسه فقهية تذكر بأن النافلة لا تقوم مقام الفرض ، وكأنه يريد أن يحرك ضمير سيف الدولة الديني حيال هذه القضية .

أسلوب القصيدة متجانس، ويتدفق تدفقاً طبيعياً ، وموضوعها موحد الروح والتأثير ، وكل هذا الناتج عن الذوق السليم ، فقد أوفى الشاعر المعني حقه كاملاً ، وأتى بكل ما فيه من جمال عن طريق الطبع والذوق السليم ، كما نراه خالياً من التكلف ، وقد قدم مأساته في عرض شعري مؤثر ، وفجر تجربته عن طريق البناء بالصور ، وقد برع في هذا وأفاد ذلك ظاهرة تعدد الأصوات في القصيدة .

كما نرى أن ذات أبي فراس كانت متأرجحة بين الأمل واليأس ، فقد كان معاتباً تارة ومعترفاً منيباً تارة أخرى ، ويبقى بين الحالين الوفى الأبي الذي لا يريد أن يستسلم أو يتخاذل ، كما لا يريد أن يقطع الوشائج المتينة التي تصله بالأمير ، ولكن هذه الذات كانت للوفاء والحب أقرب، وكان هاجس الأم يستمر في التأثير ، وأخيراً ينتصر الوفاء والكبرياء على نقطة الضعف في أبي فراس أمام سيف الدولة دون أن يفقد مكانته عنده .    

الخاتمة:

       الحمد لله الذي بِنعمته تتمُّ الصالحات، والصلاة والسَّلام على سيِّدِ المرسلين نبيِّنا محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد
فقد تمَّ بِحمد الله هذا البحث الموسوم بـ:"موضوعات شعر السجون في العصر العباسي، والله نسألُ أن تكونَ مادته مفيدةً لِمَن يَطَّلِعَ عليه، وأن تكون زادًا لأُولي العلم من المتخصصين، هذا ومن النتائج التي خرج بها هذا البحث:
-  أنَّ معظم شعر السجون يدور في فلك الشكوى والعتاب ، أو وصف المأساة التي يعانون منها، والحديث عن الذكريات مع المقارنة بين الماضي والحاضر.
-  أنَّ شعر السجون لم يخرج عن طرق النظم المحددة في القصيدة العربية، ولم يستحدث أساليب جديدة وفهم جديد في رسم العمود الشعري.
- الذي عليه العتاب عند شعراء بني العباس، القوة وعدم الانكسار لمن كان سببًا في إدخالهم السِّجن.
ومن التوصيات: أنْ تُدرس بقيَّة موضوعات شعر السجون في العصر العباسي، وبقيَّة الشعراء الذين أُوْدوا فيه لسببٍ من الأسباب، وأن تُدرس موضوعات شعر السجون في الأدب السوداني –مثلًا- وتُقارن مع موضوعات العصر العباسي.

مصادر البحث ومراجعه
1-أبو بكر بن علي بن حجة,( ثمرات الأوراق )، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ،دار الجيل،بيروت،1407هـ - 1987 م .
2-أبو بكر محمد بن يحي بن عبدالله الصولي ، (( أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم )) ، طبعة مكتبة الصاوي القاهرة، 1936م .
3- بدوي طبانة ، (( فنون الشعر عند الحمدانيين )) ط2 منشورات دار الرُّفاعي- الرياض 1404هـ
4- ديوان ابن المعتز  ، طبعة دار صادر ودار بيروت ، 1381 هـ - 1961 م .
5- ديوان أبي الحسن التهامي، تحقيق محمد بن عبد الرحمن الربيع، طبعة مكتبة المعارف، الرياض1402هـ، 1982م
6- ديوان أبي فراس الحمداني  ، شرح خليل الدويهي ، ط1 دار الكتاب العربي ، بيروت، 1412هـ - 1991م .
7- ديوان أبي فراس الحمداني ، شرح سامي الدهان، طبعة الكاثوليكية، بيروت، 1944م.
8- ديوان أبي نواس، طبعة دار صادر، بيروت،"د.ت".
9- ديوان علي بن الجهم ، تحقيق خليل مردم بك ، ص3 دار صادر، بيروت 1996م .
10- شكرى الفيصل ، (( أبو العتاهية : أخباره وأشعاره )) طبعة جامعة دمشق، 1965م .
11-عبده بدوي ،( دراسات في النص الشعري:العصر العباسي )، دار الرفاعي للنشر والتوزيع ،الرياض، 1405 هـ 1984م .
12- مجد الصادق عفيفي ، (النقد التطبيقي والموازنات) ، ط مؤسسة الخانجي ، مصر 1398 هـ - 1987م.
13- مصطفى الشكعة ، (( فنون الشعر في مجتمع الحمدانيين )) طبعة عالم الكتب، بيروت 1981م.
شارك الموضوع ليراه أصدقائك :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
إتضل بنا | فهرس المدونة | سياسة الخصوصية
جميع الحقوق محفوضة مدونة عالم النونكس
Created by Maskolis Published by Mas Template
powered by Blogger Translated by dz-site