شرح وتحليل قصيدة قضية وجود لمحمود درويش .

{[['']]}
التعريف بالشاعر:
اســمـــــه : محمود درويش (من رواد المدرسة الواقعية).
مــولــــده : سنة 1942م في قرية البروة من أعمال (عـكــــــا).
مـكـانتــه:  وهو شاعر عربي من فلسطين, ورائد من رواد المدرسة الواقعية في العصر الحديث, وهو يلقب بشاعر المقاومة الفلسطينية لأنه سخر شعره لقضية وطنه وعرضها في ثوبها العربي الإسلامي ثم في ثوبها الإنساني, وكان لهذا العرض أثره في أن يتفهم العالم المأساة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
نشأته ودراسته : نشأ الشاعر في قريته (البروة) التي غادرها عقب النكبة عام 1948م, فراراً من بطش العصابات الصهيونية آنذاك, وفي السادسة من عمره عاد إلى فلسطين, لكنه لم يجد قريته, بل وجد مكانها مستعمرة للمهاجرين اليهود, فنزل قرية قريبة منها, ثم أكمل دراسته إلى أن أتم الثانوية.
الشاعر والمقاومة:
 تعرض الشاعر للسجن عدة مرات لمشاركته في مهرجان شعري أقيم في القدس, وفي عام النكسة 1967م, تعرض للمطاردة من قبل الكيان اليهودي فاضطر بعد ذلك إلى مغادرة فلسطين, والتحق بالمقاومة وعمل في الجهاز الإعلامي لمنظمة التحرير.
الشاعر والقضية الفلسطينية :
عاش درويش القضية الفلسطينية بكل أبعادها, أرضاً, وإنساناً, عائدين ومقاومين , وتوحي بذلك العناوين التي سمى بها دواوينه الآتية :
( أوراق الزيتون)  ،              (عاشق من فلسطين)  ،         (العصافير تموت في الجليل) ،  
( وعصافير بلا أجنحة ) ،    ( وأزهار الدم...).
لقد تميز محمود درويش بأنه: واقعي متفائل وليس سوداوياً متشائماً وتوحي بذلك عناوين قصائده الآتية : (حاصر حصارك /  وبطاقة هوية /  وأمل /  وقمر الشتا  / وحنين إلى الضوء).  ومن ثم نلمح في شعره حرصه على استمرار المقاومة, فلا يسأم أن يردد لا للذل لا للمساومة, نعم للتضحية, نعم للصمود ومن ذلك قوله:
لا تدفنونا بالنشيد
وخلدونا بالصمود
لا لا تذلوا
يا كفر  قاسم لن ننام وفيك مقبرة وليل
ولا يزال محمود درويش يعيش خارج وطنه متنقلاً بين العواصم الأوربية والعربية, لأن فلسطين لا تزال تئن تحت نير الاحتلال ولأن فلسطيني الشتات لا يزالون خارج وطنهم, حالت بينه وبينهم الجسور والجدران الواقية.
وهذا النص الذي بين يدينا : جزء من قصيدة بعنوان (الجسر),  وهي من ديوان لـه
بعنـــــــوان : (حبيبتي تنهض من نومها) الصادر عام 1970م.
الأفكار الجزئية:
أ) التصميم والإصرار على العودة رغم التحديات والمخاطر.
ب) حـوار الـذات .
جـ) حـوار الآخـر .
أولاً :  التصميم والإصرار على العودة رغم التحديات والمخاطر

مشياً على الأقدامِ
أو زحفاً على الأيدي نعودُ
قــالـــــوا :
وكان الصخْرُ يَضْمُرُ
والمسَاءُ يداً تقودُ
لم يعرفوا أن الطريقَ إلى الطريقِ

دَمٌ ، ومَصْيَدَةٌ ، وبيدُ
كل القوافل قَبْلَهمْ غَاصَتْ
وكانَ النهرُ يبصق ضفَّتَيْهِ
قطعاً من اللّحْمِ الـمُـفَتَّـتِ
في وجوهِ العائدين .

اللـغـويـات :

الـكـلـمـــة
مـعـنـاهـــــا
الـكـلـمـــة
مـعـنـاهـــــا
يضمر
ينكمش وينضم بعضه إلى بعض
غاصت
توغلت.
المصيدة
الآلة التي يصاد بها, والمراد هنا: الوقوع في قبضة العدو.
يبصق
يرمي.
البيد
جمع (بيداء) وهي الصحراء. والمراد: الهلاك والتيه.
ضفتيه
جانبيه الشرقي والغربي.
القوافل
جمع قافلة وهي الركب المسافر لغرض ما.
المفتت
الممزق.

الشــرح:
هذا النص يصور مأساة عائلة فلسطينية, اضطرتها العصابات الصهيونية عام النكبة إلى ترك وطنها, لكنها شعرت بحجم المأساة عقب وصولها إلى أرض المهجر, فقررت العودة إلى الوطن بأي حال مشياً أو زحفاً, وقد ذللت لهم الطبيعة, فالصخور تنكمش وحتى الليل المظلم صار يداً تقودهم إلى طريق العودة.

لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن طريق العودة محفوف بالمخاطر, ففيه الدماء والسجون والتيه والهلاك, وهذا مصير كل العائدين فقد رأوا النهر يرمي على ضفتيه الشرقية والغربية لحماً مفتتاً من جثث العائدين.
التحليل البلاغي :
§  (مشياً / أو زحفاً): رمز للإصرار على العودة.
§  (مشياً / زحفاً): حال مقدم على صاحبه, يدل على العودة بحال من الأحوال.
§  (الصخر يضمر / ويقود المساء): رمز إلى أن من طبيعة الأشياء أن يعود المهاجر إلى وطنه.
§  (المساء يداً): تشبيه بليغ.
§  (يداً تقود): استعارة مكنية.
§  (الطريق دم / ومصيدة / وبيد): تشبيهات بليغة.
§  (القوافل... غاصت): استعارة مكنية.
§  (النهر يبصق): استعارة مكنية.
§  (قطعاً من اللحم المفتت...): كناية عن بشاعة منظر اللحم المفتت الذي يلقيه النهر على شاطئه من جثث العائدين السابقين.
§  (نعود / يضمر / تقود / يعرفوا / يبصق): أفعال مضارعة تدل على الاستمرار في الحركة.

ثانيـاً : حــوار الــذات

كانوا ثلاثةَ عائدينْ
شيخٌ وابنته وجنديّ قديمُ
يقفونَ على الجسرِ
وبعدَ دقائقَ يَصلونَ هل في البيت ماء.؟ وتَحَسَّسَ
المفتاحَ ثم تلا من القرآنِ آية
قال الشيخ منتعشاً : وكم من منزلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفَتَى
قالتْ : ولكنَّ المنازلَ يا أبي أطلالُ !
فأجابَ : تَبْنيها يدانِ ...

اللـغـويـات :

الـكـلـمـــة
مـعـنـاهـــــا
الـكلـمـة
مـعـنـاهـــــا
شيخ
الشيخوخة هي مرحلة من العمر بعد الخمسين عاماً.
تلا
التلاوة هي القراءة المستحسنة.
جندي قديم
جندي فلسطيني قبل الاحتلال.
كم
خبرية.
تحسس المفتاح
بحث عنه.
أطلال
جمع (طلل)وهو المكن الخرب.
الشــرح:
أما قصة هذه العائلة فقد كانوا ثلاثة, شيخاً وابنته ورفيقاً لهما ثالثاً, وقبل الوصول إلى الجسر, دار الحوار بين الشيخ وابنته حول منزلهم الذي تركوه منذ زمن ويتساءلون هل فيه ماء, وتذكر الشيخ المفتاح الذي حمله معه على أمل العودة, وفي معمعة الخيال المجنح, والفرحة الغامرة تلا الشيخ آية من القرآن, وردد دون وعي قول أبي تمام:
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى

***
وحنينه أبداً لأول منزل

غير أن الفتاة جمح بها خيال, وبدد أحلامها, وتوقعت أن البيت قد أصبح أطلالاً مثله مثل كل البيوت الفلسطينية, وصارحت أباها بهذا الهاجس, لكن الشيخ لم يأبه به بل عده أمراً عادياً, وأبدى استعداده لبنائه من جديد.
التحليل البلاغي :
§  (كانوا ثلاثة عائدين... شيخ وابنته وجندي قديم): أسلوب إطناب, بطريقة الإيضاح بعد الإبهام, غرضه إبراز المعنى وتوضيحه.
§  (جندي قديم): تعبير, يدل على عدم اعتراف المحتلين بالنظام الفلسطيني بعد الاحتلال.
§  (كانوا ثلاثة عائدين): رمز إلى أن العودة مرفوضة من قبل اليهود الغاصبين جملة وتفصيلاً وإن كان عدد العائدين قليلاً.
§  (يقفون / يصلون / يألفه / تبنيها): أفعال مضارعة تدل على الاستمرار  والحركة.
§  (كم): خبرية تفيد الكثرة العددية.
§ (وكم من منزلٍ في الأرض يألفه الفتى): في هذا التعبير ظاهرة التناص, وهي استحضار أبيات سابقة لشاعر سابق تشمل نفس المعنى الذي يريده الشاعر, حيث إن هذه الظاهرة أضحت سمة من سمات القصيدة الحديثة, فقد استدعى الشاعر رائد التجديد في العصر العباسي وهو أبو تمام في بيتيه المشهورين في الحكمة:
   نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى


***
***
ما الحب إلا للحبيب الأولِ
وحنينه أبداً لأول منزل


  ولهذا التناص ما يسوغه عند محمود درويش, إذ يعد أحد أقطاب الحداثة الشعرية, لذلك وظف نشوة الشيخ وشعوره بالفرحة والأمان, حيث تذكر حكمة أبي تمام, وكأن الشاعر يريد أن يؤكد أن هذه الحكمة ليست خاصة بعصر أبي تمام, فكل من عانى التشرد والغربة يجد عنده هذا الشعور.
§  (المنازل يا أبي أطلال): تشبيه بليغ, يوحي بوحشة المنازل العربية في ظل وجود الاحتلال.
§  (يا أبي): نداء, غرضه التعجب.
§  (تبنيها يدان): استعارة مكنية.
ثـالثـاً : حــوار الآخـــر
ولم يتمَّ حديثَهُ, إذْ صاحَ صوتٌ في الطريقِ: تعَالَوا
وتلَتْهُ طَقْطَقَةُ البنادق
لن يمرَّ العائدونَ
حرسُ الحدودِ مرابطٌ
يَحْمِي الحدودَ من الحنين
أمْرٌ بإِطلاقِ الرصاصِ على الذي يَجتَازُ

هذا الجِسرَ. هذا الجسرُ مِقْصَلةُ الذي رَفَضَ
التسوَّلَ تَحْتَ ظلِّ وكالةِ الغوثِ الجديدةِ
والموتُ بالمجانِ تَحت الذُلِّ والأمطار
هذا الجسرُ
مِقْصَلةُ الذي مازال يحلم بالوطن !

اللـغـويـات :

الـكـلـمـــة
مـعـنـاهـــــا
الـكلـمــة
مـعـنـاهـــــا
لم يتم
لم ينه.
يجتاز
يعبر- أو يتخطى.
صاح
ارتفع.
مقصلة
الجمع (مقاصل) وهي أداة حادة كانوا يقطعون بها رقاب المحكوم عليهم بالقتل.
تلته
تبعته.
وكالة غوث
وكالة تابعة للأمم المتحدة, هدفها إغاثة الشعوب المنكوبة بالاحتلال أو الكوارث الطبيعية.
طقطقة البنادق
أصواتها.



الشــرح:
ولكن الجندي لم يمهله حتى ناداه محركاً بندقيته باتجاه صدره مردفاً لن يمر العائدون لا بأجسامهم, ولا بمشاعرهم التي تغلي اشتياقاً, والأوامر جاهزة سلفاً بإطلاق الرصاص على كل عابر, فإما الموت أو التسول تحت مظلة الأمم المتحدة للاجئين, فمجرد التفكير بالعودة دونه خرط القتاد, وهو مثل عربي يضرب للشيء الجميل المحاط بمخاطر كثيرة.
التحليل البلاغي:
§  (يحمي الحدود من الحنين): تعبير يوحي بأن قضية عودة اللاجئين إلى وطنهم أمر لا يقبل التفاوض. وفيها استعارة مكنية.
§  (أمر بإطلاق الرصاص): تعبير يوحي بالأوامر الصريحة لمنع العودة ولو كلفت دماء وضحايا.
§  (هذا الجسر مقصلة): تشبيه بليغ.
§  (يحلم بالوطن): تعبير يوحي بعدم عودة اللاجئين إلى وطنهم, وأن مجرد الحلم بالوطن أمر محظور, جزاؤه الموت في نظر الكيان المحتل.
التعليـق العـام علـى النـص
ينتمي النص إلى : المدرسة الواقعية العربية التي عايشت عصر الثورة على الاستعمار في الوطن العربي, وشاركت في دعوات التحرر وكان لها شرف تأجيج الانتفاضات ضد الاحتلال في القرن الماضي, ويعود الشعر من جديد لتقويض دعائم الاستعمار الحديث.
القصيدة موحية بكثير من الدلالات الفكرية والسياسية: ففي القسم الأول منها نجد التصميم والإصرار من قبل العائدين على العودة على الرغم من التحديات والمخاطر التي تواجههم. وفي القسم الثاني من النص نجد أسلوباً حوارياً متنامياً تنامي القصة أو المسرحية, مشتملاً على عناصرهما:
فالشخصيات: ثلاث هي: (الأب العجوز / والبنت / ورفيقهما). وفي المقابل حرس الحدود.
والـحــوار : تم على مرحلتين هما: (حوار الذات /  وحوار الآخر) :
فحوار الذات : دار بين العائدين الذين غمرتهم الفرحة, وتخيلوا ما سيؤولون إليه بعد لحظات, وبعد عبور الجسر. ولكن هذا الحوار لم يدم بل قطعه.
الحوار الآخر : الذي لا يعرف لغة الحوار بل لغة السلام, لأنه لا يعترف بالآخر أصلاً, ولا يفرق بين شاب وشيخ, ولا بين طفل وامرأة, والأحداث متصاعدة. والصراع قائم.
هدف الشاعر من الأسلوب المتنوع في هذا النص: هو إيصال رسالة إلى الشعوب العربية مفادها هذا ما يعانيه إخوانكم في فلسطين.
ألفاظ الشاعر : منتقاة, ودالة على الحركة والحياة المتجددة, ولذلك استخدم الشاعر الأفعال المضارعة بكثرة للتعبير عن ذلك.
ملامح الشعر الجديد كما يتضح من النص :
1) التصاق الشاعر بواقعه معبراً عنه بوجوه مختلفة من صدق وزيف, وتقدم وتخلف, وفرح ويأس, والصراع بين العدل والظلم, والحرية والعبودية.
2) تحقيق الوحدة الموضوعية, حيث تضافرت فيه الأفكار والمعاني والموسيقا والصور والعواطف وكونت في مجموعها بناءً شعرياً متطوراً متنامياً.
3)  الاعتماد على الرمز الذي هو ملمح الشعر الجديد عامة, ولقد برز فيه محمود درويش خاصة.
4)  الاعتماد على السطر الشعري بتفعيلاته المتنوعة طولاً وقصراً بدلاً من البيت الشعري.

5) الاعتماد على الموسيقا الداخلية عوضاً عن الخارجية التي تعتمد على وحدة الوزن ووحدة القافية.
شارك الموضوع ليراه أصدقائك :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
إتضل بنا | فهرس المدونة | سياسة الخصوصية
جميع الحقوق محفوضة مدونة عالم النونكس
Created by Maskolis Published by Mas Template
powered by Blogger Translated by dz-site